اعذرني عزيزي القارئ فأنا أعاني من (حول) في الكتابة! لذلك ربما تجدني أكتب عن الأم في غير عيدها، وعن الوطن في غير موعد احتفالاته، وعن الجائع قبل أن يجوع! أعتقد أنني أحب أن أكتب عن الأشياء في غير موسمها. ربما اعتدت أن أسير في طرق غير مُسفلتة!اليوم وبعد مضي أسبوع على مولده، أكتب عن خير من كتبت الأقلام سيرته، من إذا قدم لي كأساً من رمال الحجاز بدلاً من ماء الفرات لشربته على نفس واحد، لثقتي وإيماني برسالته.إنني أعلم أن من هم على شاكلتي عندما يتشرّفون بالكتابة عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) عليهم أن يكونوا حذرين، لأن من يدّعون اليوم الكلام باسم أكرم وأرحم خلق الله سيقفون لي على السطور، إنها عملية أشبه بالكتابة على سطر متعرج أو متراقص، وأحياناً سطر مليء بالحواجز الأمنية والعسكرية والنقاط التفتيشية التي تقول لك (قف ها هنا ... ولا تتجاوز!) ولكنني رغم ذلك سأعبر عن حبي له كاسراً الرافعة!فمن الذي جعلنا لا نحلف يوماً بـ (رع) أو بـ (أزوريس) أو (إيزيس) أو ابنهما حورس، ومن الذي جعلنا لم نقدس يوماً (مردوخ) أو (عشتار)، ولم نعر اهتماما لـ (زيوس) و(أفروديت)، ولم يكن عندنا إله للصيد وإله للحرب وآخر للخصوبة، ولم نعترف يوماً بجميع ألهة الأوليمب؟مَنْ الذي علمنا ألا نقدم قرابين للنجوم والكواكب، أو لمعبودة الجمال فينوس عند الرومان، وأفهمنا ألا نرى العظمة عند (جوبيتر)، ولم نشعر بالدفء بنار معبودهم (فستا)، بفضل دعوته لم نتمسح يوماً بـ (اللات)، ولا (مناة) ولا (هبل) أو (إساف) و(نائلة). لم نذبح لـ (بعل)، ولم نقدس قيصر أو الاسكندر وهانيبال، ولم تأسرنا حكاية هركليز أو أبطال طروادة، وعندما نموت فنحن لا نوصي أن يضعوا على أعيننا قطعاً نقدية كي نعطيها لربان القارب الأسطوري الذي سيعبر بنا العالم الآخر، من الذي جعلنا لا نحترم من يفاخر بنسبه لمجرد المفاخرة أو يفجر بمال أبيه وأمه أو يجاهر بخرق عادات مجتمعه؟إننا بفضل هذه الدعوة لم نتبرك بحجر أو شجر ولا شمس ولا قمر، ولم نداهن ملكاً بالشعر أو وزيراً بالنثر أو تاجراً بالانحناء والشكر. لم نسجد سجود السدنة والكهان للمخلوقين.علمنا رسول الله ألا نطلب رزقاً فيه ذلة أو طعاما فيه مِنة، أو صديقاً فيه خسة. حذرنا من نِياحة أبي جهل للمطالبة بالخمور والربا والدعارة. هو الذي صنع منا رجالاً أحراراً، وليست الفلسفة أو التنوير أو أي تنظير آخر.كلنا كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل علينا، فكيف لا نحتفل بمولده؟نجد بعض المجمعات والمحلات والمطاعم والشاليهات الخاصة قد رفعت غابات من أشجار الكريسميس تزامناً في الوقت الذي ولد فيه الهدى، والذي أدخل النور للجزيرة العربية.نعم أطالب بالاحتفال بمولد الرسول، وأقسم لكم بالله أنه ليس هناك بيني وبين «الكريسميس» أو تهنئة النصارى أي مشكلة، ولكن بيني وبين الجحود الذي أراه مشاكل.ربما عزيزي القارئ تقفز من مكانك الآن لتصرخ في صورتي وتقول (هل أنت تحب الرسول أكثر من الصحابة والتابعين والسلف وهم الذين لم يحتفلوا بمولده؟) سأقول لك (لا، بالتأكيد أنهم أحبوه أكثر مني والتزموا سننه أكثر مني أيضاً، ولكن فضل رسول الله عليَّ وعلى مليار وسبعمئة مليون مسلم ومسلمة اليوم هو الذي يجعلنا قادرين على التحمل بفضل رسالته الخالدة وسيرته العطرة وكلماته النيرة).مازلنا قادرين على تحديد بوصلة الاتجاهات في عالم غارق في محيط قد غطاه ليل شبيه بليالي القطب الشمالي في جزء لم يُستدل عليه في الخرائط. ظلمات بعضها فوق بعض.مع احترامي للبعض ممن يتفقه، فإنني هنا أتكلم من منطلق ما لا يفقهه هذا البعض أحيانا، وهو الحب.إذا رأيت عزيزي القارئ أنني قد تجاوزت الحدود في هذا المقال، فلا تُكلف نفسك عناء احمرار الوجه وصراخ حبالك الصوتية، فقط أحرق المقال كي يشعرك بالدفء واعتبر أن كل ما كتبته مجرد ... خواطر صعلوك.وهيا لنحتفل بـ «الكريسميس» ... حباً في النبي!كاتب كويتيoh1alatwan@