أعزائي القراء، هل تذكرون أمهاتكم عندما كنتم صغاراً؟، هل قلن لكم أشياء ثم اكتشفتم أنها غير صحيحة عندما كبرتم؟عندما قلن لنا إن الجامعة أجمل من المدرسة، والوظيفة أجمل من الدراسة، وأن العلم نور وأن المتفوق يختار حياته، عندما كن يرددن على مسامعنا (حاضر...خمس دقايق وكل شيء جاهز) فالأكل سيجهز في خمس دقائق، والملابس ستكون جاهزة في خمس دقائق، وكل طلباتنا ستكون جاهزة خلال هذه المدة، وحتى لو طلبت من الأم أن تهدم جبل الأوليمب أو تصعد جبل الطور فستقول لك (حاضر... خمس دقايق) عندها اعتقدنا أن من يحبنا قادر على فعل أي شيء بسرعة من أجلنا، عندما قلن لنا إن الكذاب إذا كذب الكذبة ونام فسوف يخرج منه (ذيل حمار) ومن رأسه قرون شيطان وأن الحرامي يذهب للسجن والمرتشي يذهب إلى التحقيق معه، عندما قلن لنا إن الذي يلعب بالنار أو علبة الكبريت فسوف يفعلها (على نفسه)، عندما كنا ننظر للقمر ونحن في السيارة مندهشين ونسأل أمهاتنا (هل القمر يسير معنا؟) فيجبن (نعم...لأنكم مهمون).لقد كبرنا أيتها الأمهات واكتشفنا أن الجامعة ليست أجمل من المدرسة، وأن العلم ليس نوراً ولكن (الواسطة) هي من تعطيك تأشيرة المرور، وأن المتفوق لا يختار وظيفته أصلاً فضلاً عن أن يختار حياته.اكتشفنا أن الأمور لا تتم في (خمس دقايق) فالحصول على البيت قد يأخذ عمراً بأكمله أو خمس عشرة سنة، واكتشفنا أن الحرامي لا يذهب إلى السجن ولكن يذهب للمطار، والمرتشي لا نجده في صفحة الحوادث ولكننا نشاهده في صفحة الاقتصاد، والكذاب لا يظهر له (ذيل) حمار ولكن تظهر له ثروة لا تحملها الجمال.اكتشفنا أن الذي يلعب بالنار لا يفعلها على نفسه ولكن يفعلها على وطنه، واكتشفنا أيضاً أن القمر لا يسير معنا، وأننا غير مهمين لا في نظر القمر ولا في نظر حكوماتنا.في الواقع عزيزي القارئ إن أمهاتنا لم يكذبن في شيء، ولكن العالم كله هو من تواطأ على الخديعة، وحتى لو اعتقد أحد أن أمهاتنا قد كذبن علينا...لا يهم...لأننا عندها سنعتبر كذباتهن صدقا، وما أحلاها من كذبات لو فهم العالمون.عموماً أكتب هذا المقال من دون مناسبة، فعيد الأم ليس اليوم، ولكني أريد أن أترحم على أمي (رحمها الله) وأدعو بطول البقاء والصحة لأمهاتكم، وأقول لهن جميعاً (اكذبن علينا... فكذباتكن هي الشيء الوحيد الذي يُبقي السحر في هذا العالم، كلماتكن هي من تجعل الحياة شيئًا نكون قادرين على احتماله) في زمن يدعو إلى حرية السوق وقمع الأفراد.****قصة قصيرة:طوال عمره يصرخ، يحاول أن يوقظ العالم النائم بثقله على جسده الضعيف... يصرخ ولكن من دون بوق... وفي كل مرة يرتد صوته إليه، ولا يبقى له إلا الصمت... فإذا ارتخت حباله الصوتية... فلا يرتاح إلا في ذلك المكان... عند قبر أمه.كاتب كويتيmoh1alatwan@
مقالات
خواطر صعلوك
عندما يكون الكذب أجمل للعالم!
محمد ناصر العطوان
04:04 م