لتبدأ الحياة معه من جديد، وكأن مسفر الدوسري يريد الخروج على مسفر الشاعر العاشق الحالم في هذه الحالة، وهي حالة عدم الاهتمام بالأنثى «نفس السجاير التي كنت أحرقها.. من قبل الفراق» هي نفس العدد ونفس المذاق «وكأن طعم» النيكوتين لم يتغير مذاقه، هل كان مسفر يعيش حالة عشق صادقة ؟! أم يمارس عبث مراهقين وفوضى صبيانية ؟! مهما تكن الإجابة، يظل السؤال مفتوحاً على مصراعيه بلا نهاية.هذه السجائر التي مرت أمام مسفر كأي شيء كان، لم تكن كذلك عند خالد قماش الذي ربطها بعمره، وكأنها مرآة نفسية يرى من خلالها الزمن ويتأمل من خلالها نفسه، بعد أن لم يجد من الحياة ما يريد، وبعد أن رأى سنوات شبابه تنحسر أمامه.ما لقيت اللي على كيفي وشفي !وغصني أخضر..ويحترق عمري مثل أتفه سيجارة !هذا الاحتراق للسجائر أو النيكوتين كما عند مسفر الدوسري مولد نفسي على كتابة النص، فلولا هذا الإحساس بهذا الكائن المحترق ما خرج لنا مثل هذا الشعر، فكيف سيكون الحال إذا توافق هذا الاحتراق مع انحسار السنين وذبول الغصن الأخضر واحتراق العمر كما عند خالد قماش، حيث شكلت له هذه السيجارة حياة تذبل أمام ناظريه، وكلما تلاشى دخانها في الهواء أحس بابتلاع الزمن لسنوات عمره، لهذا يصدر هذا الحكم القاسي«أتفه سيجارة»وهو في الأساس يصدر هذا الحكم على نفسه التي يراها تتساقط في مهاوي الزمن وهو لا يستطيع أن يفعل لها أي شيء.إن من يقرأ أمثال هذه النصوص المتصلة بالتبغ أو السجائر أو تطاير دوائر الدخان المتصاعد في الهواء، يجد أن محمد المرزوقي أعمق هؤلاء الشعراء في هذا المبحث في تعامله مع التبغ، حيث منح التبغ خصائص عدة، حيث كان التبغ ينتقل من كونه السجائر العادية إلى الحشيش الذي يتجاوز مفهوم السيجارة العاديةتعال للمقهى نطهر صدرنا بالتبغ !ونرفه الحلم المقيد بألف دورة للدخانوكل دورة صب فيها حلمك بكيفك، وجاوز حدود الزمان....سرب من حمام أزرق يغادر برج هذي الشيشةويضفي على العيشة مذاق آخر بطعم الحريقلا سيد إلا الجمراستطاع إنه يساوي بين هذا الجمعاستطاع إنه يوجد كل هذا الجمع في نفس الطريقتمدد التبغ وتحوله إلى أكثر من حالة، من حال كونه دخاناً عاديّاً إلى كونه حشيشاً، إلى كونه أشبه ما يكون بالخمرة التي تدور في «مجالس الأنس»وكل دورة صب فيها حلمك بكيفك، وجاوز حدود الزمان«لقد تحول التبغ من دخان يحترق أمام الناظرين ويحرق أعصاب المدخنين إلى أداة للتطهير الداخلي، ومحفز إلى الحلم،ولأنه كذلك يريد خلق حالة من الانسجام بين التأمل ومنظر الدخان المتصاعد أمامه، لهذا يدخل بحالة من انعدام التوازن«وجاوز حدود الزمان»وأيضاً«سرب من حمام أزرق»حيث شكلت له هذه الحالة سواءً مع اللون كما مر معنا في غير هذا المبحث، أو مع هذا التلبس الذي ارتداه الشاعر وأكسبه هذه الحلة من التجلي الصوفي التأملي من خلال هذا الشعر، لهذا صار يستطعم الحريق ويتلذذ بمنظر الجمر في«الشيشة»فهذا الجو من الانغماس في الدخان أو«التحشيش»في بعض مراحل هذا التطور جعل الجميع يتساوون في المنـزلة«استطاع أنه يساوي بين هذا الجمع» حيث صار الجمر سيداً، وصار المدخنون عبيداً في رحاب هذا السيد، حيث دخل الجميع في غيبوبة اللحظة وتمازجوا في نشوة هذا التصوف.لقد أصبح هذا الوضع مع التبغ لحظة للتطهير وترفيه الذات وتجاوز كل حدود المعقول ومنح الحريق مذاقاً وجعل الجمر سيداً، مما أذعن الجميع لسلطان الشهوة الحميمة، الشهوة غير الجنسية، لأن الجميع كانوا بعيدين عن الجنس، ومنغمسين في نشوة حسية الطابع، لكنها تجريدية في التأمل. بينما كان هاجس الجنس مسيطراً على تعامل فهد عافت مع التبغ لكن ليس من باب الإحساس بالنشوة، بقدر ما حاول الشاعر عكس مدى بشاعة هذا العهر الماديقالت مومس يكتظ فيها التبغوالدهن الرخيصالليل شمسيلم يكن للدخان أي وجود، لأن الشاعر استعاض عنه بالدهن الرخيص والليل، الدهن الرخيص الدال على تفاهة هذا الدخان، والليل له ارتباط بظلامية هذا الدخان المتطاير من السيجارة أو الأرجيلة، غير أنه حينما تعامل مع الدخان أطل لنا شبح الجنس، لكن بطريقة لا تخلو من حذاقة، فقد تكلمنا عن جانب الحذاقة الجنسية عند هذا الشاعر في بحث مستقل لا دخل له بموضوعات هذا الكتاب، وهو بحث منشور قبل عدة سنوات.الدخان اللي يسافر في الزواياشهوة البارودثم يقول كذلك مكررا هذا الكلام في مقطع آخرللدخان اللي يسافر في الزواياشهوة البارود