ماذا ذهب النائب ميشال عون يفعل في الجنوب اللبناني، وصولاً إلى جزين حيث ألقى خطابا لا علاقة له بذلك الذي ألقاه في بنت جبيل حيث بدأ جولته؟ هل يجري اعداد الجنرال لدور جديد يتجاوز لبنان ويتمثل في جعله ممثلا لمسيحيي الشرق في سياق خدمة المحور الإيراني - السوري بصفة كونه المحور الذي يحافظ على الأقليات من منطلق أنه تحالف الأقليات؟ هل سيُستخدم الرجل في المرحلة المقبلة في تضمين لوائحه الانتخابية في لبنان «ودائع» لـ «حزب الله» والنظام السوري؟
/>قبل الدخول في الدور الجديد الذي يعدّ له الجنرال، لا بد من الإشارة إلى أنه كان طبيعياً أن يتناقض عون مع نفسه بين بنت جبيل وجزين. في بنت جبيل، كان عليه أن يؤكد ولاءه لـ «حزب الله» وسلاحه. وفي جزين المسيحية، كان عليه أن يظهر في مظهر الحريص على مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى الشرعية اللبنانية، وأن يرفض كلياً مع كل ما لا علاقة له بالدولة وقيمها وأن يهاجم الذين لا يؤمنون بهوية لبنان. في جزّين، راح النائب عون يهاجم أولئك الذين يرفضون الهوية اللبنانية والكيان اللبناني، أي جميع الذين كانوا في استقباله في بنت جبيل وغيرها بدءاً بـ «حزب الله»، حزب ولاية الفقيه، وانتهاء بـ «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، مروراً بالطبع بـ «البعث» السوري الذي مرجعيته في مراكز المخابرات السورية أينما وجدت...
/>يعاني الجنرال بكل بساطة من انفصام في الشخصية عائد إلى اعتقاده أن في استطاعته أن يضحك على اللبنانيين الوقت كله، وأنه ليس بعيداً اليوم الذي سيضطر فيه «حزب الله» إلى وضع نفسه بتصرفه من منطلق أنه يمتلك من الذكاء ما يكفي للمناورة على كل الأطراف اللبنانية. نسي ميشال عون أمراً في غاية الأهمية هو أنه ليس قادراً سوى على لعب دور الأداة ولا شيء آخر غير هذا الدور. هذا ما أثبتته الأحداث ابتداء من العام 1988 عندما دخل قصر بعبدا بصفة كونه رئيساً لحكومة انتقالية مهمتها الوحيدة تأمين انتخاب رئيس جديد للبنان. فعل كل شيء باستثناء تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعندما انتخب مجلس النواب الشهيد رينيه معوّض رئيساً للجمهورية بعد التوصل إلى «اتفاق الطائف»، تكفل الجنرال بمنع الرئيس من الوصول إلى بعبدا كي يسهل على النظام السوري اصطياد الرجل والحؤول دون تنفيذ «الطائف» بالصيغة المتفق عليها، أي بالصيغة اللبنانية!
/>الأهم من ذلك كله أن الجنرال عون ذهب إلى الجنوب بحماية «حزب الله» وزار رميش مسقط رأس الشهيد اللواء فرنسوا الحاج، مدير العمليات في الجيش اللبناني. وضع النائب عون أكليلاً من الزهر على ضريح فرنسوا الحاج الذي كان مفترضاً أن يكون اليوم في موقع قائد الجيش. لم يطرح سؤالاً في غاية البساطة هو لماذا اغتيل فرنسوا الحاج ومن اغتاله؟ ألم يكن اغتيال فرنسوا الحاج مرتبطاً بأحداث مخيم نهر البارد التي وقفت وراءها الأجهزة السورية التي جاءت بشاكر العبسي إلى شمال لبنان؟ ألم يكن اغتيال فرنسوا الحاج مرتبطاً بقرار سوري واضح كل الوضوح فحواه أنه ممنوع على الرئيس اللبناني أن يعين بنفسه قائد الجيش اللبناني بدليل أنه كان ممنوعاً، حتى على إميل لحود الابن المدلل للأجهزة السورية وصنيعتها، تعيين خليفته في قيادة الجيش في العام 1998؟ رحم الله فرنسوا الحاج الذي لم يكفه الظلم الذي تعرّض إليه بسبب مواقفه الوطنية، خصوصاً لرفضه أن يكون نهر البارد «خطاً أحمر» أمام الجيش اللبناني...
/>في النهاية، ذهب ميشال عون في حماية «حزب الله» الإيراني ورعايته لـ «استرداد جزين»، على حد تعبير أحد أزلامه من الصغار الصغار. السؤال لماذا هذا الحرص الذي يبديه حزب مسلح لديه ميليشيا تعتبر لواء في «الحرس الثوري الإيراني» على شخص مثل الجنرال؟ الجواب بكل بساطة، أن ميشال عون بات مؤهلاً للعب دور جديد رسمه له المحور الإيراني - السوري بعدما أثبت عن جدارة أنه قادر على تأدية المطلوب منه من دون طرح أسئلة من أي نوع كان. إنه رمز للأداة المستأجرة التي لا تنبس ببنت شفة عندما تصدر أيها التعليمات في شأن تنفيذ مهمة ما توكل أيها بغض النظر عن طبيعة المهمة أو الهدف المتوخى.
/>لا يمكن في أي شكل الاستخفاف بالدور الذي يقوم به ميشال عون في هذه المرحلة بالذات. تجري تهيئة الجنرال ليكون زعيماً مسيحياً يتجاوز «إشعاعه» حدود لبنان. ولذلك سيزور ميشال عون طهران قريباً. وليس مستبعداً أن يزور دمشق بعد اتخاذ خطوات عملية في اتجاه تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين الجارين، وذلك حفاظاً على ماء الوجه للجنرال. قبل ذهابه إلى دمشق، سيزور ميشال عون البقاع، كما سيزور القرى المسيحية في عكار. الهدف واضح كل الوضوح ويختصر بأن المطلوب تلميع صورة ميشال عون إلى أبعد حدود كي يكون جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية التي يعتمدها المحور الإيراني - السوري والتي تقوم على توظيف الأقليات في خدمتها. من يتذكر المراحل التي مرت بها عملية تطويع الأرمن بغية جعلهم تابعين لتلك الاستراتيجية؟ من يتذكر أن بيروت الغربية أفاقت يوماً في منتصف الثمانينات من القرن الماضي على وقع سلسلة الجرائم ارتكبت في حق المواطنين الأرمن المقيمين في رأس بيروت؟ كانت بيروت الغربية في تلك المرحلة تحت سيطرة الميليشيات المذهبية، بما في ذلك ميليشيا «حزب الله». الآن لا أحد يزايد على «الطاشناق» في ولائه للمحور الإيراني - السوري. فهم الأرمن، من خلال هذا الحزب، الرسالة جيداً... إلى حد أنهم لا يحيدون شعرة عن التعليمات. أثبتوا ذلك بالملموس في انتخابات المتن الفرعية قبل سنة.
/>ما الدور الذي يعد لميشال عون؟ إنه دور شبيه بدور «الطاشناق»، الحزب الأرمني الكبير، مع فارق أنه مطلوب منه أن يكون أكثر حركة وديناميكية في الدفاع عن «حزب الله» وكل ما لا يمكن الدفاع عنه، بما في ذلك ربط بقاء السلاح بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ومن النهر إلى البحر، لا فارق. المطلوب بكل بساطة أن يكون المسيحي اللبناني رأس حربة للمحور الإيراني - السوري الساعي إلى صفقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب لبنان واللبنانيين. ثمة من يقول إن ميشال عون سيستفيق يوماً، ويكتشف أنه يلعب دور الأداة في استراتيجية تتعارض كلياً مع الشعارات التي طرحها في الماضي. الجواب على مثل هذا النوع من الأسئلة أن حاسة الأداة تتفوق على كل ما عداها لدى الجنرال. متى لا يعود الرجل أداة، لا يعود هناك جنرال. ولذلك كل ما يمكن قوله: ليكن الله في عون مسيحيي لبنان عندما يقبلون بأن يمثلهم شخص يقبل أن يزور جزين بحماية «حزب الله»... بدلاً من أن يكون في كنف الدولة اللبنانية!
/>كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
/>
/>قبل الدخول في الدور الجديد الذي يعدّ له الجنرال، لا بد من الإشارة إلى أنه كان طبيعياً أن يتناقض عون مع نفسه بين بنت جبيل وجزين. في بنت جبيل، كان عليه أن يؤكد ولاءه لـ «حزب الله» وسلاحه. وفي جزين المسيحية، كان عليه أن يظهر في مظهر الحريص على مؤسسات الدولة اللبنانية وعلى الشرعية اللبنانية، وأن يرفض كلياً مع كل ما لا علاقة له بالدولة وقيمها وأن يهاجم الذين لا يؤمنون بهوية لبنان. في جزّين، راح النائب عون يهاجم أولئك الذين يرفضون الهوية اللبنانية والكيان اللبناني، أي جميع الذين كانوا في استقباله في بنت جبيل وغيرها بدءاً بـ «حزب الله»، حزب ولاية الفقيه، وانتهاء بـ «الحزب السوري القومي الاجتماعي»، مروراً بالطبع بـ «البعث» السوري الذي مرجعيته في مراكز المخابرات السورية أينما وجدت...
/>يعاني الجنرال بكل بساطة من انفصام في الشخصية عائد إلى اعتقاده أن في استطاعته أن يضحك على اللبنانيين الوقت كله، وأنه ليس بعيداً اليوم الذي سيضطر فيه «حزب الله» إلى وضع نفسه بتصرفه من منطلق أنه يمتلك من الذكاء ما يكفي للمناورة على كل الأطراف اللبنانية. نسي ميشال عون أمراً في غاية الأهمية هو أنه ليس قادراً سوى على لعب دور الأداة ولا شيء آخر غير هذا الدور. هذا ما أثبتته الأحداث ابتداء من العام 1988 عندما دخل قصر بعبدا بصفة كونه رئيساً لحكومة انتقالية مهمتها الوحيدة تأمين انتخاب رئيس جديد للبنان. فعل كل شيء باستثناء تأمين انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وعندما انتخب مجلس النواب الشهيد رينيه معوّض رئيساً للجمهورية بعد التوصل إلى «اتفاق الطائف»، تكفل الجنرال بمنع الرئيس من الوصول إلى بعبدا كي يسهل على النظام السوري اصطياد الرجل والحؤول دون تنفيذ «الطائف» بالصيغة المتفق عليها، أي بالصيغة اللبنانية!
/>الأهم من ذلك كله أن الجنرال عون ذهب إلى الجنوب بحماية «حزب الله» وزار رميش مسقط رأس الشهيد اللواء فرنسوا الحاج، مدير العمليات في الجيش اللبناني. وضع النائب عون أكليلاً من الزهر على ضريح فرنسوا الحاج الذي كان مفترضاً أن يكون اليوم في موقع قائد الجيش. لم يطرح سؤالاً في غاية البساطة هو لماذا اغتيل فرنسوا الحاج ومن اغتاله؟ ألم يكن اغتيال فرنسوا الحاج مرتبطاً بأحداث مخيم نهر البارد التي وقفت وراءها الأجهزة السورية التي جاءت بشاكر العبسي إلى شمال لبنان؟ ألم يكن اغتيال فرنسوا الحاج مرتبطاً بقرار سوري واضح كل الوضوح فحواه أنه ممنوع على الرئيس اللبناني أن يعين بنفسه قائد الجيش اللبناني بدليل أنه كان ممنوعاً، حتى على إميل لحود الابن المدلل للأجهزة السورية وصنيعتها، تعيين خليفته في قيادة الجيش في العام 1998؟ رحم الله فرنسوا الحاج الذي لم يكفه الظلم الذي تعرّض إليه بسبب مواقفه الوطنية، خصوصاً لرفضه أن يكون نهر البارد «خطاً أحمر» أمام الجيش اللبناني...
/>في النهاية، ذهب ميشال عون في حماية «حزب الله» الإيراني ورعايته لـ «استرداد جزين»، على حد تعبير أحد أزلامه من الصغار الصغار. السؤال لماذا هذا الحرص الذي يبديه حزب مسلح لديه ميليشيا تعتبر لواء في «الحرس الثوري الإيراني» على شخص مثل الجنرال؟ الجواب بكل بساطة، أن ميشال عون بات مؤهلاً للعب دور جديد رسمه له المحور الإيراني - السوري بعدما أثبت عن جدارة أنه قادر على تأدية المطلوب منه من دون طرح أسئلة من أي نوع كان. إنه رمز للأداة المستأجرة التي لا تنبس ببنت شفة عندما تصدر أيها التعليمات في شأن تنفيذ مهمة ما توكل أيها بغض النظر عن طبيعة المهمة أو الهدف المتوخى.
/>لا يمكن في أي شكل الاستخفاف بالدور الذي يقوم به ميشال عون في هذه المرحلة بالذات. تجري تهيئة الجنرال ليكون زعيماً مسيحياً يتجاوز «إشعاعه» حدود لبنان. ولذلك سيزور ميشال عون طهران قريباً. وليس مستبعداً أن يزور دمشق بعد اتخاذ خطوات عملية في اتجاه تبادل التمثيل الديبلوماسي بين البلدين الجارين، وذلك حفاظاً على ماء الوجه للجنرال. قبل ذهابه إلى دمشق، سيزور ميشال عون البقاع، كما سيزور القرى المسيحية في عكار. الهدف واضح كل الوضوح ويختصر بأن المطلوب تلميع صورة ميشال عون إلى أبعد حدود كي يكون جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية التي يعتمدها المحور الإيراني - السوري والتي تقوم على توظيف الأقليات في خدمتها. من يتذكر المراحل التي مرت بها عملية تطويع الأرمن بغية جعلهم تابعين لتلك الاستراتيجية؟ من يتذكر أن بيروت الغربية أفاقت يوماً في منتصف الثمانينات من القرن الماضي على وقع سلسلة الجرائم ارتكبت في حق المواطنين الأرمن المقيمين في رأس بيروت؟ كانت بيروت الغربية في تلك المرحلة تحت سيطرة الميليشيات المذهبية، بما في ذلك ميليشيا «حزب الله». الآن لا أحد يزايد على «الطاشناق» في ولائه للمحور الإيراني - السوري. فهم الأرمن، من خلال هذا الحزب، الرسالة جيداً... إلى حد أنهم لا يحيدون شعرة عن التعليمات. أثبتوا ذلك بالملموس في انتخابات المتن الفرعية قبل سنة.
/>ما الدور الذي يعد لميشال عون؟ إنه دور شبيه بدور «الطاشناق»، الحزب الأرمني الكبير، مع فارق أنه مطلوب منه أن يكون أكثر حركة وديناميكية في الدفاع عن «حزب الله» وكل ما لا يمكن الدفاع عنه، بما في ذلك ربط بقاء السلاح بتحرير فلسطين من البحر إلى النهر ومن النهر إلى البحر، لا فارق. المطلوب بكل بساطة أن يكون المسيحي اللبناني رأس حربة للمحور الإيراني - السوري الساعي إلى صفقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل على حساب لبنان واللبنانيين. ثمة من يقول إن ميشال عون سيستفيق يوماً، ويكتشف أنه يلعب دور الأداة في استراتيجية تتعارض كلياً مع الشعارات التي طرحها في الماضي. الجواب على مثل هذا النوع من الأسئلة أن حاسة الأداة تتفوق على كل ما عداها لدى الجنرال. متى لا يعود الرجل أداة، لا يعود هناك جنرال. ولذلك كل ما يمكن قوله: ليكن الله في عون مسيحيي لبنان عندما يقبلون بأن يمثلهم شخص يقبل أن يزور جزين بحماية «حزب الله»... بدلاً من أن يكون في كنف الدولة اللبنانية!
/>كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن
/>