|واشنطن – من حسين عبد الحسين|

اظهر اختيار المرشح الديموقراطي للرئاسة الاميركية باراك اوباما، السناتور جو بيدن، لمركز نائب الرئيس في لائحته الانتخابية، تغييرا كبيرا في الاستراتيجية التي اعتمدها المرشح الاسود منذ بدأ حملته وحتى اليوم. بيد ان هذا التغيير قد يستغله الحزب الجمهوري، ضد اوباما والديموقراطيين لتعميق ازمة بدأ يشعر بها اوباما، بسبب تزايد الضغط الجمهوري في مواجهته.واظهر آخر استطلاعات الرأي التي يجريها «معهد غالوب» الشهير يوميا، ان 72 في المئة من الناخبين يعتقدون ان ترشيح بيدن، لن يكون له اي تأثير، لا سلبا ولا ايجابا، على حظوظ اوباما. كما اظهر المعهد، تقدم اوباما على منافسه الجمهوري جون ماكين بفارق نقطتين مئويتين، وهو فارق ضئيل نظرا للتغطية الاعلامية التي يعول عليها المرشحون عادة اثناء اختيارهم لنائب الرئيس.هذا التراجع المفاجئ في وجه ماكين والذي وجد اوباما نفسه في مواجهته فجأة، سببه الى حد كبير، تحرك الماكينة الجمهورية الانتخابية الجبارة والتي يقودها، خلف الكواليس، سياسيون جمهوريون محنكون، من امثال وزير الخارجية السابق جايمس بيكر وكارل روف، المستشار السابق للرئيس جورج بوش، وآخرون.هذه الماكينة الرهيبة التي تجمع عمالقة ممولي الحملات الانتخابية من الاميركيين الى جانب اصحاب النفوذ السياسي والإعلامي، اوقفت من زحف اوباما الذي بدأ مع بدء الانتخابات التمهيدية اوائل العام الحالي. ووجد سناتور ولاية ايلينيو، نفسه اسير الطروحات السياسية التي قدمها لمناصريها في الماضي, فالمرشح الديموقراطي وعد، على سبيل المثال، بعدم اللجوء لاي سبب كان، للدعاية السلبية بحق الخصم. لكن الشرط الذي وضعه على نفسه، لا يلزم منافسه ماكين وحملته، اللذان شنا منذ فترة حملة عنيفة ضد طروحات اوباما السياسية والاقتصادية.وتركزت الحملة الجمهورية على موضوع الحرب في العراق، واتهمت اوباما بارتكاب خطأ كبير بوقوفه في وجه خطة زيادة القوات، التي يعتبرها الكثير من الاميركيين المنفذ الوحيد الذي امن للولايات المتحدة امكانية الخروج من «المستنقع العراقي» مع حفظ ماء الوجه.في الوقت ذاته، ورغم ضعف حجج ماكين الاقتصادية وارتباط الاداء الجمهوري في الاقتصاد بولاية بوش، التي يحملها معظم الاميركيين مسؤولية تهاوي القوة المالية للبلاد، الا ان اوباما لم ينجح في تقديم نفسه على انه صاحب نظرة بديلة في الاقتصاد.وتتوالى الامور، ويوجه الجمهوريون الصفعة تلو الاخرى لاوباما قليل الخبرة، وللحملة الديموقراطية في شكل عام، فلا تسعف اوباما، الكاريزما التي اوصلته الى الفوز بترشيح حزبه.هذا التقهقر الديموقراطي، دفع اوباما ومستشاريه الى تجاوز بعض الوعود التي قدموها للمناصرين في السابق، ويأتي في هذا السياق، اختياره السناتور بيدن لمركز نائب الرئيس.فور اعلان نبأ الاختيار، شن الجمهوريون حملة اعلامية كثيفة، اظهرت بيدن يتحدث اثناء الندوات التي رافقت الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الديموقراطي، وهو يصف اوباما بقليل الخبرة وغير المؤهل لشغل منصب الرئيس. كما اظهرت الكليبات الدعائية الجمهورية، بيدن، وهو يقول ان مركز الرئاسة لا يعطي المجال لشاغله بالتدرج واكتساب الخبرة اثناء ولايته.ورغم ان ماكين، حيا خيار اوباما. واعتبر ان منافسه قام بـ «خيار جيد»، من المتوقع ان يركز الجمهوريون هجومهم على «الميزات الجمهورية» التي يتمتع بها بيدن والتي اسس اوباما حملته على اساس محاربتها. فاوباما لطالما وعد ناخبيه بالتغيير الجذري في واشنطن، وها هو يأتي بواحد من اصحاب اطول فترة خدمة في مجلس الشيوخ، اذ انتخب بيدن سناتورا للمرة الاولى في العام 1972، واعيد انتخابه لخمس ولايات متتالية منذ ذلك الحين.ومع ان نسبة الخبراء يحتسبون ان بيدن ادلى بمعدل اصوات في مجلس الشيوخ لمصلحة قوانين ليبرالية بنسبة 77 في المئة، الا ان الجمهوريين سيخرجون على الاعلام بالقوانين ذات الطابع الجمهوري التي صوت لها بيدن، للقول ان اوباما، على عكس ادعاءاته للفترة الماضية، عاد وانخرط في المؤسسة السياسية الاميركية مثل كل السياسيين الاخرين.والمعروف ان بيدن ايد الحرب في العراق العام 2003، على عكس اوباما، ثم تبنى النظرية القائلة بضرورة تقسيمه في اطار فيديرالي واسع الى ثلاثة كانتونات شيعية وسنية وكردية. كما ان بيدن، على سبيل المثال، هو احد عرابين انشاء والانفاق على تلفزيون «الحرة» وتحويل الخدمة العربية في «صوت اميركا» الى مؤسسة خاصة، تدير «الحرة» حاليا، مع ضوابط حكومية اقل على ادائها، وهو اتجاه تبنته الادارة الحالية وعارضه معظم الديموقراطيين.ثم ان الخبرة الهائلة في السياسة الخارجية التي يتمتع بها بيدن، والذي يرأس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ، يعول عليها اوباما لاسكات منتقديه الذين يعيرونه بقلة خبرته في السياسة الدولية، الا ان ظهور نائب الرئيس بموقف الاكثر خبرة ومعرفة من رئيسه سيرتد سلبا، لا محالة، على زعامة اوباما واستمرار التأييد الشعبي له.اضف الى كل هذه المنافذ التي سيستغلها الجمهوريون في وجه خصومهم الديموقراطيين، ابدى بيدن ضعفا على مستوى الاستقطاب الشعبي اثناء الانتخابات التمهيدية، وهو خرج من السباق مبكرا، وبهدوء، الى درجة ان الكثير من المؤسسات الاعلامية لم تلاحظ تخليه عن ترشيحه للرئاسة.ومع ان بيدن متحدث ماهر وحذق وصاحب خبرة طويلة في شؤون كثيرة في طليعتها الشؤون الدولية، الا انه يفتقد الى الكاريزما ويصفه بعض الاميركيين، بأنه ممل ويتحدث في الموضوع نفسه لساعات.يبقى ان ولاية بيدن في مجلس الشيوخ، تنتهي مع نهاية هذا العام، لكن ولايته ديلاوير تسمح للمرشح بالاستمرار في ترشيحه لمجلس الشيوخ ولنائب رئيس الدولة في الوقت نفسه. وان استمر بيدن في ترشيحه لمجلس الشيوخ، سيرسل اشارات سلبية في ما يتعلق بالحملة الانتخابية الديموقراطية، وسيبدو وكأنه يتهافت على المقاعد التمثيلية من دون هدف واضح.كل هذه الاسباب تجعل من اختيار اوباما، لبيدن اختيارا غير موفق، قد تكون له آثار سلبية كبيرة على حظوظه في الرئاسة. واذا ما اعتبرنا ان المرشح الديموقراطي تنازل عن بعض التزاماته امام جمهوره بدعوته بيدن للترشح الى جانبه، فإن هذا التنازل قد ينذر بأن سناتور ايلينوي قرر خوض المعركة بشراسة اكبر وبهامش هجومي اوسع، وقد يتبع هذا التنازل من اوباما تنازلات اخرى، مثل شن حملات دعاية سلبية ضد ماكين ومحاولة استعادة المبادرة بعدما سرقها الجمهوريون، في غفلة، من أيدي الديموقراطيين.