استقبلت بألم شديد خبر التفجير المزدوج الذي استهدف المدنيين المغادرين حسينية الحسين - عليه السلام - مساء الخميس الماضي في الضاحية الجنوبية لبيروت، وتلقيت بأسى عميق نبأ الاعتداءات الإرهابية التي استهدفت الأبرياء في مواقع عدة بالعاصمة الفرنسية باريس مساء الجمعة الأخيرة، وتابعت بقلق كبير المقالات والتعليقات والكاريكاتيرات التي انتشرت بيننا حول تلك الجرائم الوحشية، لأن فيها ما يشير إلى أننا نعاني من كراهية متأصلة ضد الآخر ومن تطرف فكري جماعي رسخته الأجهزة الاستخباراتية في المنطقة، تطرف لا نراه في أنفسنا ولكنه جلي للغريب عن مجموعتنا.في الواقع، نحن أدوات وقنوات لتمرير رسائل تلك الأجهزة التي تسعى لتوظيف جرائم استهداف المدنيين، وكل الأحداث الأخرى، لصالح أجنداتها ولضرب خصومها، ولو من خلال ترسيخ الكراهية والفكر المتطرف فينا وفيمن حولنا.من بين الأمثلة على تطرفنا في تداولنا لتلك الأحداث الإرهابية، فرح بعضنا بمقتل المدنيين في برج البراجنة وتبريرهم لجريمة الدواعش وإسقاط مسؤوليتها على «حزب الله» لأنه دخل طرفاً في الحرب السورية. فعوضاً عن استنكار قتل المدنيين - أينما كانوا - تجدهم يشرّعون قتلهم بحجة القصاص ووفق مبدأ «العين بالعين والبادئ أظلم»، والمثال الآخر مرتبط بحرص البعض منا على إهمال تعاطف الناس مع الضحايا الأبرياء في فرنسا، وبعض آخر منا حرص على تحميل الحكومة الفرنسية مسؤولية تفجيرات باريس عبر مواقفها من «داعش» في سورية. فتحويل الضحية إلى جانٍ أمر ميسر بل مستحسن في المجتمعات المتطرفة.هناك من يبرمجنا على المزيد من التطرف من خلال إبراز تطرف الآخرين. مشكلتنا في أننا لم نستوعب حتى الآن ضرورة خلق حالة مجتمعية تنبذ قتل المدنيين، أينما كانوا وأياً كانت دوافع استهدافهم، من أجل صون وطننا من مخاطر تنظيم «داعش»، وفي الوقت الذي نحذر فيه الآخرين، ممن يمولون ويدعمون الإرهاب، بأن ذات الإرهاب سيطولهم عاجلاً أم آجلاً تجدنا لا نلتفت إلى أننا من بين من نهيئ الأرضية الخصبة لاستشراء الإرهاب من خلال بث سموم التطرف الفكري فيما بيننا.علينا أن نبادر بتعزيز التحضر في أنفسنا وفيمن حولنا، فنجتث أشجار الثأر والانتقام - بلا تمييز - من حدائقنا وحدائق من حولنا ونزرع محلها بذور الرحمة والإنسانية وحماية المدنيين في الصراعات المسلحة. لماذا لا نستفيد من المجتمعات الغربية التي تحررت من تطرفها - بعد ما عانت من مآسٍ وفواجع على مر عقود متعددة - عبر إلزام نفسها بمجموعة من المفاهيم والقيم الإنسانية. فما الذي يمنعنا من تبني مبادئ القانون الدولي الإنساني الذي يتمحور حول حماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، فتدرس في فصولنا وتضمّن في خطب مساجدنا وتسوق في إعلامنا وتتخذ معياراً رئيساً في تحديد مواقفنا الفردية من الأحداث. هل هناك دين سماوي يحرم حماية المدنيين الأبرياء في الصراعات؟، وإذا كانت هناك عقيدة تحرض على قتل المدنيين فعلى الدولة احتواء ذلك الانحراف.قد تكون أنت أحد المصابين بوباء التطرف الفكري الذي قد يجعلك في يوم ما ممن يفرح بمقتل مدنيين. أدعوك للإجابة عن الأسئلة التالية، إذا كنت ترغب بتشخيص درجة التطرف في ثقافتك. ماذا سيكون موقفك من فدائيين فتكوا بمصلين خارجين من معبد يهودي في تل أبيب فقتلوا 43 منهم وجرحوا 239 آخرين؟، هل ستعتبر من قُتل من الفدائيين في تلك الحادثة إرهابيا أم شهيداً؟، وما رأيك في مجاهدين فجروا مسارح وملاعب وأسواق في تل ابيب فقتلوا 129 وأصابوا 352 إسرائيلياً مدنياً؟، ومن قُتل من هؤلاء المجاهدين، هل ستصفه إرهابياً أم شهيداً؟اللهم إنى أعوذ بك من شر الجهل ومن شر التطرف...abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
إرهابي شهيد
02:41 م