تعرض أحد الاطباء الكويتيين قبل شهرين تقريبا لوعكة صحية، كان عرضها الرئيس هو ارتفاع درجة حرارة جسمه. وبعد أن عجزت مناعته الذاتية عن التغلب على الحمى استعان بالأدوية المتوفرة في الصيدليات لتخفيض درجة حرارته، ولكن من دون جدوى. وحين ساءت حالته أكثر، راجع قسم الحوادث في مستشفى مبارك الكبير، فخضع للفحص السريري ووضع تحت الملاحظة لساعة من الزمن ثم خرج بعد تشخيص حالته وصرف العلاج له.لكنه اضطر لمراجعة قسم الحوادث مرة ثانية بعد مرور اسبوع من غير أن تتحسن حالته، بل ضعفت قوته. وبعد معالجته سريريا، غادر قسم الحوادث بعلاج جديد، إلا أنه اضطر لمراجعة الحوادث للمرة الثالثة بعد أن انتكست صحته. وفي هذه الزيارة، قرر الدكتور المعالج أن يدخل زميله المريض في جناح الباطنية لإجراء فحوصات مكثفة فضلا عن توفير الرعاية الطبية اللازمة لحالته الصحية. وبعد مرور اسبوع من تاريخ دخوله في الجناح، تضمن عطلة عيد الأضحى، تم تشخيص مرضه وصرف له علاج لمدة ثلاثة اسابيع. وفعلا تعافي، لسبحانه الحمد، من مرضه (Lyme disease) الذي تبين أنه كان بسبب لسعة ما يشبه بعوضة تعيش في غابات سويسرية تواجد فيها المريض اثناء زيارته لسويسرا. أي أن مرضه يعتبر نادرا في الكويت وتشخيصه تم بسرعة قياسية حسب المعايير العالمية، كما جاء على لسانه.بالرغم مما عاناه الطبيب/ المريض على مدى ما يقارب الشهرين، إلا أنه يعتبر تشخيص مرضه خلال ستة اسابيع انجازا كبيرا، ويحرص في عرضه لرحلة علاجه على ابراز شواهد على جودة الخدمة الطبية التي لمسها كمريض/ طبيب في المستشفى الحكومي. ويؤكد على اعجابه بما لاحظه من خدمات طبية متميزة قدمت له وللمرضى المواطنين والمقيمين خلال فترات تواجده في قسم الحوادث وفي الجناح رقم (21). ما أريد أن أقوله هو أنه لو تعرض مريض غير طبيب لنفس التسلسل العلاجي لاشتكى من تخبط الاطباء مع حالته.من جانب آخر يرى الطبيب بأن هناك مجالات كثيرة ومساحات شاسعة لتطوير الخدمات الطبية الحكومية. وسرد لي العديد من المحاور المهمة التي يقترح معالجتها للارتقاء بالرعاية الصحية الحكومية، ولكن أكثر ما لفت انتباهي من بينها هو فكرة تطوير ثقافة المريض. الثقافة التي تسمح للمريض بتقييم المستوى الاكلينيكي للأطباء وتدفعه للتعدي عليهم وتبرر لجوءه إلى اقسام الحوادث في حالات يفترض أن يراجع فيها مستوصفات أو عيادات خارجية.كلام الدكتور ذكرني بتجربتين لي في قسم الطوارئ بمستشفى في الولايات المتحدة الاميركية. في كلتا الحالتين قمت من نومي في أنصاف الليالي لإيصال مريض، وكان بطلب من احد اصدقائي في المرة الأولى وفي الثانية زوجتي كانت هي المريضة. في الموقفين دخلنا قسم الطوارئ وهو خال تماما من المرضى، وهذا يشير إلى ثقافة تعامل الاميركيين مع الخدمات الطبية. وأيضا في المقامين انتظرنا الدكتور المعالج لمدة تزيد عن الساعة، وعند مطالبتنا بحضور الدكتور كانت الممرضة تجيبنا بأن حالة مريضنا عاجلة ولكنها ليست طارئة لذلك علينا انتظار الدكتور لحين انتهائه من مهامه الأخرى في المستشفى.في الكويت، معظمنا يتوقع رعاية طارئة، مشابهة لما يعرض في المسلسلات الأجنبية، عند مراجعته لقسم الحوادث ولكنه يتفاجأ بما يعتبره تقصيرا ولا مبالاة من قبل الكادر الطبي، وقد يلجأ بعضنا إلى الهمجية ويعتدي على الطبيب أو أحد معاونيه... فعلا هي أزمة ثقافية.ومن المفاهيم الثقافية الخاطئة لدى المريض اعتقاده بأن بيع صوته الانتخابي في السنوات الماضية، مقابل حصوله على علاج بالخارج له أو لأحد اقربائه على سبيل المثال، غير مرتبط بجوانب القصور في الرعاية الصحية التي يعاني منها اليوم. تنمية الرعاية الصحية، وغيرها من خدمات حكومية، مرتبطة جذريا بتقليص نفوذ قوى الفساد في المجلس المسؤول عن التشريع والمكلف دستوريا بمراقبة أداء الجهات الحكومية.مثلما تخجل أنت من محاسبة نائب اشترى صوتك، فإن ذلك النائب أيضا لا يملك إلا الانصياع لأوامر قوى الفساد التي مكنته من شراء صوتك. إذا كنت ممن باع صوته في السابق، فلا يحق لك اليوم التذمر و«التحلطم» من سوء الرعاية الصحية والسكنية وخلافهما، لأنك شريك في جرائم خيانة الوطن.abdnakhi@yahoo.com