كنت ألمحه... أسترق النظر إليه في غرفته الصغيرة من بين أكوام الأشياء التي يلملمها من هنا وهناك... بالكاد يظهر لي ممددا على سريره الضائع بين أكياس موضبة تنتظر شاحنة تنقلها لبلاده... يستمع الى مذياعه القديم، تارة يصدح بالقرآن وأخرى بصوت أم كلثوم...لا شك أنه الحنين الى وطنه يدفع به الى هذه الوحدة القاتلة حيث لا رفيق له سوى المذياع والنرجيلة... لا شيء يبدو في هذه الغرفة الرطبة صالحاً للعيش...كل شيء حوله ترتسم عليه ملامح الزمن، هذا الرجل الستيني ما الذي يجبره أن يقضي ما تبقى من عمره، يجمع الأدوات الكهربائية وكل ما تخلى عنه سكان العمارة من ثياب وأدوات مطبخ، حتى الجرائد كان يستهويه جمعها، بعيدا عن أبنائه ووطنه... غريب أمره أخبروني أنه يملك عمارتين يؤجر شققهما وليس لديه من الاولاد الا بنتين وصبي واحد لا يراهما الا كل اربع سنوات... ألا يكتفي بهذا الرزق ليعود الى حيث الاهل والأحبة...؟! ما الذي يجبره أن يكون حارساً لعمارة لمدة تزيد على ربع قرن جمع خلالها ما جمعه من حطام العمر وأرسله الى الوطن... ترى هل أصابه مرض الثروة الذي يصيب كثيرين ممن يفضلون الموت في الغربة محافظين على رزقهم حتى آخر نفس فيأتي الوارثون ليستلموه ببساطة... تراه لا يعلم أن الحطام الذي أمضى ربع قرن يجمع به قد يفرط به الورثة بساعة واحدة...؟! أوليس ما يأتي دون مجهود يذهب دون مجهود...! ربما أصابه طول الأمل مرض يكبر مع الإنسان كلما كبر... حتى يظن نفسه مخلداً فيجمع ما استطاع من حطام الدنيا تحسباً للآتي...وأي آت هذا الذي يترقبه الستيني ولم يبقَ من عمره أكثر مما رحل...!؟ لا عجبب فهناك من يملكون أضعاف مايملك ولا يفكرون بالراحة أو العودة لأوطانهم... كلما أمدهم الله بالصحة استمروا بجني الثروات غير آبهين أن العمر يمضي بسرعة وأن الحياة ليست فقط لجمع المال... ثم يعودون الى أوطانهم في نهاية المطاف اما مرضى وإما محملين على الأكتاف بصندوق خشبي لا يتسع لكل الحطام الذي جمعوه... ليس خطأ أنهم يعملون لدنياهم كأنهم يعيشون أبداً، لكن تراهم عملوا لآخرتهم كأنهم ميتون غدا؟! ثمة أشياء بالحياة تستحق التضحية بالمال وبالعمل... ثمة وطن وابناء ينتظرون... ثمة جسد يستحق الراحة من سنوات البحث عن الرزق المتواصلة... فالرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك ويعرف عنوانك جيداً... انه الثقة والقناعة واليقين ان الله يتدبر امرنا فلا نظل نفكر بمستقبل لا نملكه... لكنه الإنسان يعيش كأنه لن يموت لكنه يموت كأنه لم يعش.* كاتبة لبنانيةLalanordin@hotmail.com