باربرا وولترز... مؤرخة اللحظة

عندما يكون الصحافي «مؤرخ اللحظة» تتراءى في الأفق ملامح التاريخ الذي سيُكتب للأجيال القادمة. ورغم أن الإعلامي في مقابلته يشغل الدنيا لتتناقل مضمونها ألسنة الناس، بُعيد المقابلة - الحدث مع شخصية نافذة، فإن المادة التي يخبو بريقها آنياً تتوهج مستقبلاً في عالم البحث والمعرفة، لأنها وُثقت وتركت لأهلها من الباحثين أو فضوليي المعرفة.الإعلامية الأميركية الشهيرة باربرا وولترز كتبت مذكراتها بعنوان «امتحان» (Audition... A Memoir)، والذي نُشر في دار «ألفرد نوف» (Alfred A. Knopf) في مايو الماضي، وضعت فيه عصارة تجاربها التي بدأتها في مسيرة الصحافة التلفزيونية منذ العام 1961 على محطة «ن بي سي» (NBC) قبل انتقالها إلى محطة «آي بي سي» (ABC) بعدما قابلت زعماء الدول والمشاهير، ومازالت في عطائها رغم تخطيها السبعين عاماً من عمرها. تغوص وولترز في كتابها باستطرادات من هنا وهناك، تتحدث عن شخصيتها وعائلتها والذين تأثرت بهم، مبتعدة عن اللغة الديبلوماسية في الطرح شارحة وجهة نظرها بصراحة، سواء رغب القارئ أم لا، بأسلوب قصصي شيّق زاده رونقاً إحساس المؤلفة بعظم المسؤولية المهنية الملقاة على عاتقها والأوجاع التي تنتابها في حياتها.من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغن، ومن زعيم التيبت الدالاي لاما إلى القائد الكوبي فيديل كاسترو، ومن المرأة الحديدية رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر إلى الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي، من الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون إلى باقي الرؤساء الأميركيين وزوجاتهم، كانت وولترز تحكي قصتها مع هؤلاء وما كان يدور في الكواليس ولم يظهر في المقابلات، لكنه الآن أصبح متاحاً للجمهور وملكاً له.«الراي» تعرض في قراءة سريعة لمحطات ذكرها الكتاب الذي يثري الصحافة ويثير فضول القراء.

أنا وكاسترو لم نكن مرتبطين بعلاقة عاطفية أو رومانسية / الحلقة الخامسة

كانت الساعة الثالثة فجراً عندما عدت إلى الفندق(بعد مقابلة كاسترو الطويلة). اتصل منتج البرنامج بمدير المحطة يتوسل له طالباً منه المزيد من المساحة على البث الهوائي واستطاع الحصول عليه. وفي الوقت الذي سقطت فيه مجهدة على السرير تحوّل برنامج «مقابلة خاصة» من نصف ساعة إلى ساعة كاملة. في صباح اليوم التالي، وتحديداً في التاسعة دق جرس الهاتف يبلغني بأن الزعيم سيرسل سيارة لي خلال نصف ساعة. لكن ما حدث بعدها أصابني بالذهول وجعل السياح القليلين المتواجدين أمام الفندق تجحظ عيونهم عندما رأوا سيارة جيب تقف أمام الفندق ويقودها كاسترو شخصياً! بدا وكأن الرحلة لن تكون عادية، وخرجنا معاً متجهين نحو الطائرة الرئاسية لكاسترو لنطير إلى سانتياغو دي كوبا، وهي ثاني أكبر مدينة في كوبا، ومن هذه المدينة قام كاسترو وأتباعه الثوريون ببدء الثورة عام 1953 للإطاحة بالديكتاتور فولجنسيو باتيستا. استغرقت الثورة مدة ستة أعوام حتى نجحت. وبعد مرور 24 عاماً شكّلت حملة ميليشياتهم واحدة من أكثر الأيام إثارة طوال حياتي المهنية.إلى الجبلوعندما نزلنا في المطار قال لي كاسترو: «تعالي باربرا، إجلسي بجواري»، واستقللنا سيارة جيب أخرى وصعدت مع كاسترو جبال سييرا مايسترا التي اتخذها الثوار نقطة انطلاق سرية لهم. كان كاسترو يقود السيارة بيد واحدة، بينما يده الأخرى تحمل السيجار. وانكمشت في الكرسي الخلفي مترجمته خوانيتا واثنان من رفاق سلاحه السابقين منذ أيام الثورة. وطوال ست  ساعات صعوداً وهبوطاً فوق الجبال كان كاسترو يدلني على نقاط مواقع المعارك والكمائن ومعسكرات الثوار، في ما كان طاقم التصوير يتبعنا في سيارات جيب أخرى. وبينما كان المطر ينهمر علينا، مدّ كاسترو يده لي بعلبة من الحلوى القاسية وضعها على «تابلو» السيارة ليرمي بها على الأطفال الذين كانوا يلتفون حوله كلما توقف بالسيارة. كما سلمني مسدسه الدوار. كان عملي حمل الحلوى والسلاح فوق رأسي لأبقيهم بعيدين عن البلل في ما كان هو يغني أناشيد «سيليتو ليندو» الإسبانية بصوت عالٍ. كانت أكثر رحلات السيارات إثارة في حياتي. وعندما هبط الظلام وصلنا إلى معقله في الجبل. كان مجمعاً كبيراً مكوّناً من كبائن. كان لكل واحد منا غرفته وفوطه الخاصة والمياه الساخنة وحمام يحوي قاعدة تواليت، الذي لم يكن يتوافر في الفندق الذي نزلنا فيه في العاصمة. شربنا هناك الكثير من النبيذ الجزائري مع العشاء وتعشينا عشاء يحوي خنزيراً صغيراً مشوياً. وبعد الانتهاء من العشاء تبادلنا الضحكات والروح الطيبة مع كاسترو الذي أرادنا أن ندفع مقابل الخدمات التي قدمها لنا. لكن أحد المنتجين أبلغه بأنه لا يمكننا دفع مقابل له على أنه ممثل، لأنه ممثل فاشل. وفي وسط هذه المعمعة توقف لبرهة ليتحدث إلى الأطفال. ثم عاد يقترح أن ندفع له على أنه مخرج أو منتج، فكررتها معه أنا هذه المرة وقلت له إنه فاشل في كلا الدورين. وقلت له: «أخذتنا وسط المستنقعات، فإذا كانت هذه فكرتك عن الإخراج فهي ليست فكرة جيدة، ولا تظن أنك منتج لأننا أضعنا الكثير من الوقت الطويل من دون أن نرى أشياء ذات قيمة». وفي النهاية استقرت بنا الحال على أن ندفع له على أنه سائق وقدمنا له خمسة دولارات فوافق. توم عندها حرر له سنداً نقدياً من مصاريف المحطة كتب عليه «مدفوعات لسائق واحد - فيدل كاسترو 5 دولارات»، وقام كاسترو بتوقيعه متباهياً. وأنا واثقة بأن توم مازال يحتفظ بهذه القطعة من الورق. عندما عدت فكرت في ما حدث في معقله الشخصي القديم، وأدركت بأن هذا النوع من التجارب لن يتكرر معي أبداً. قليل من قادة العالم من يعطون لأنفسهم هذا الكم من الوقت أو هذا الانفتاح  مع الصحافيين وكان توقيتنا جيدا. لقد أراد كاسترو أن يكشف لنا عن نفسه، بالإضافة إلى أنه أحب طاقم البرنامج. كان يقدّر فعاليتهم وروح الفكاهة لديهم وأيضاً حقيقة أنهم لم يضربوا عن العمل مثل الآخرين. الناس في كوبا لا يضربون عن العمل. وأخمن أنه أحب شخصيتي أيضاً. لا أقصد أبداً في التعامل الشخصي أو في الأفعال، ولكن رحلة الجبل لم تكن بالضبط الطريقة التي يتعامل بها مع الصحافيين كلهم. وبالمناسبة، كان كاسترو يعرف القليل جداً من اللغة الإنكليزية وكل شيء كان يقوله كانت خوانيتا تترجمه ولم تكن تترك مكانها بجانبه أبداً.أعلى نسبة مشاهدينفي اليوم التالي غادرنا كوبا وتوقفت أنا في فلوريدا لرؤية أمي وأختي وأبي. وأعتقد بأنها صدمة لأي ابن أو ابنة رؤية والديها في دار للرعاية. وكان والدي دوماً ضئيل الجسم ونحيفاً، لكنه كان أيضاً صلباً وقوياً. أما الآن فبدا هزيلاً وصحته في زوال. أخذته للخارج على كرسيه وأمسكت بيده لفترة حاولت أن أجعله يمشي، ولكن للأسف كانت طاقته قد استنفدت تقريباً. قلت له إنني أحبه وهو أيضاً قال لي انه يحبني، بعدها غادرت. لبرهة فكرت أنها المرة الأخيرة التي أراه فيها ولم أستطع أن أحبس دموعي. عدت إلى نيويورك وقمت أنا وديك ريختر وتوم كابرا بتحرير المقابلة الإخبارية التي جرت مع كاسترو. لم يكن من السهل علينا ذلك. وبقدر ما أردنا أن نظهر كم كانت شخصيته ساحرة، أردنا أيضاً أن نوضح أنه كان الديكتاتور الأوحد لدولة شيوعية، وأنه رجل لم يسمح بأي معارضة، وأنه رجل أسر إعجاب أعدائه وأنه كان أيضاً خصماً صلداً لنظامنا الديموقراطي. وختمت هذه المقابلة بمقولة «إن أكثر شيء اختلفنا حوله بعمق هو معنى الحرية - وهذا هو بالفعل ما يفرقنا».أُذيعت المقابلة تحت عنوان «فيدل كاسترو يتحدث» في التاسع من يونيو 1977، وحصل على أعلى نسبة مشاهدات من بين برامج المقابلات الخاصة، لكنه لم يصل إلى نسبة الإقبال التي حصلت عليها حلقات «بارنابي جونز» وهي حلقات بوليسية لمدة طويلة على محطة «سي بي إس»، أو حتى لفيلم عرض على محطة «إن بي سي». أنا لم أشاهده لانني كنت في إنكلترا لتغطية اليوبيل الفضي لجلوس الملكة إليزابيث على العرش. لكن مقابلة كاسترو الخاصة شكلت نقطة تحوّل في حياتي الوظيفية.

التوسط والتهديدلكن كان هناك جانب سلبي لحق بي جراء إذاعة المقابلة الخاصة التي أجريتها مع كاسترو. فبينما كان كاسترو سعيداً بإذاعة تلك المقابلة التي استمرت لمدة خمس ساعات متواصلة وشاهدها مراراً على التلفزيون الكوبي، تاركاً الأسئلة الخاصة جانباً، كان هناك العديد من الكوبيين الموجودين في الولايات المتحدة حانقين عليّ، لأنني أفسحت له المجال للتحدث على التلفزيون. وبعد إذاعة ذلك الحوار تلقيت مئات الخطابات، بعضها لطيف، من أناس لديهم أصدقاء أو أقارب في كوبا، أو في السجون الكوبية، يطلبون مني أن أتوسط لدى كاسترو نيابة عنهم (وقد قمت بالفعل بتحويل تلك الخطابات إلى المسؤولين الكوبيين)، لكن آخرين وجهوا إليّ تهديدات. وقد أخذت بالفعل تلك التهديدات على محمل الجد، وكان من بين أسبابي لذلك أن ممرضات كوبيات كن يتولين رعاية والدي عندما كان مريضاً، وكن فاترات معي جداً عندما ذهبت لزيارته في المستشفى بعد إذاعة المقابلة. فإذا كن على علم فقط في السابق بأنني كنت سأجري معه مقابلة فبالتأكيد عرفن وتأكدن الآن. كما كنت قلقة جداً على سلامة ابنتي جاكي، وكانت محطة «آي بي سي» قلقة أيضاً وقامت باستئجار حارس شخصي لي لتوصيل ابنتي من وإلى المدرسة. وبمرور الوقت خفت تلك الرسائل، وبعد فترة تلقيت نصيحة بأن التهديد قد زال فعدنا إلى حياتنا الروتينية العادية بعدها. ولكن بعد أن اعتقدت أن الأمور عادت إلى مجاريها توفي أبي المريض. كان عمره 81 عاماً عندما مات، وكنت وقتها أتناول طعام الغداء مع جورج شتاينبرنر في الخامس من أغسطس عام 1977 عندما تلقيت مكالمة تبلغني بوفاة أبي. انفطر قلبي وقتها ولكنني لم أتفاجأ. وسافرت فوراً إلى فلوريدا وعندما وصلت وجدت أن أمي كانت قد استعدت عاطفياً لخبر وفاته. وربما كانت قد خف حزنها أيضاً. كانت تراه لفترة طويلة، بينما كانت حالته تتدهور وتأكدت أنه لا فائدة من عمل شيء إزاء حالته التي كانت تزداد سوءاً بمرور الأيام.ولأننا لم نكن متمسكين أبداً بتعاليم ديننا فلم نقم مراسم الحزن على أبي لمدة سبعة أيام حسب شريعتنا اليهودية. بل أجرينا مراسم جنازة بسيطة عند القبر وبعدها جلست مع أمي وأختي لبضعة أيام قليلة، غادرت بعدها إلى نيويورك ومن هناك اتصلت بالصحف الكبرى لنشر نعي والدي لديها. قدمت برنامجا باسم «فارايتي» (التنوع) على سبيل الإطراء له ولحياته. كان عليّ إجراء مراسم لتلقي عزاء والدي في نيويورك، ولكنني لم أفعل ذلك فقد كان والدي قد غادرها منذ فترة طويلة، وكنت أخشى ألا يحضر أحد. توقعت بأنني سأجلس أنا وأمي وأختي وحيدات في قاعة خالية من الناس. لكني أدركت الآن أن ذلك كان خطأ. فعندما نظرت إلى العدد الكبير الذي حضر حفلاً لإطلاق اسم «لو والترز» على شارع جديد تكريما لوالدي - وهو الحفل الذي أقامه عمدة نيويورك آنذاك بلومبرغ - أدركت أن والدي قد تم تكريمه أخيراً. وكان عليّ أن أقيم مراسم العزاء سريعاً.

لقاء بعد عاميننعود إلى كاسترو مرة أخرى حيث التقيته مرة ثانية بعد عامين عندما حضر إلى نيويورك في أكتوبر 1979 ليلقي خطاباً في الأمم المتحدة. وقتها وجّه إلي دعوة للعشاء في المفوضية الكوبية في نيويورك. وعندها سألته إن كان بإمكاني دعوة باقي أفراد الطاقم التلفزيوني لمقابلته بصورة ودية، فرد عليّ أن بإمكاني إحضار أي شخص أريد. ومن هنا انطلقت الإشاعات التي كان مفادها أنه طالما أنني كنت أقوم بدور موجهة الدعوة نيابة عن كاسترو، فهذا يعني أنه لابد من أنه كانت تربطنا علاقة عاطفية خاصة. أنا لا أريد أن أخيّب أمل أي شخص، ولكني أكررها مرة أخرى، كاسترو وأنا لم نكن بأي حال من الأحوال مرتبطين بعلاقة عاطفية ولا رومانسية.كان مجرد حفل عشاء. حضر روني بالطبع من شبكة «آي بي سي» الإخبارية وباقي أفراد الطاقم التلفزيوني الذي كان معي في رحلة كوبا، إضافة إلى باقي كبار رؤساء تحرير الصحف الكبرى والمجلات في نيويورك وحضروا كلهم، باستثناء إيه إم روزنتال، المدير التنفيذي لجريدة «نيويورك تايمز»، وكان الوحيد الذي رفض الدعوة، معللاً ذلك بأنه لا يمكن أن يكون مجتمعاً في الغرفة نفسها التي بها كاسترو. لم أدع أيا من مراسلي محطات «سي بي إس» أو «إن بي سي» لأنني اعتقدت أنه ربما أجري الحصول على مقابلة جديدة مع كاسترو ذلك المساء، ولم أرد أن تكون هناك منافسة من أي نوع. أعرف أن تلك لم تكن لمسة لطيفة من جانبي، لكنني كنت أدرك أن لعبة الإعلام التلفزيوني هي لعبة الأقوياء، وأنني لن أفوز فيها لمجرد كوني «الآنسة اللطيفة».لكنني لم أحصل على أي مقابلة تلفزيونية حصرية مع الرئيس الكوبي (خلال ذلك الحفل) لكن كاسترو وافق لاحقاً على أن ندون كلامه. وهكذا فإن أصدقائي الصحافيين تحوّلوا فجأة إلى منتجين للمذكرات وعلى مدار ساعة كاملة من الزمن راحوا «يعتصرون» الزعيم الشيوعي. وعلى ما أتذكر فإنه  كان ساحراً ومرحاً - وأيضا طباخا ماهرا للوجبات الخفيفة. فبعد انتهاء اللقاء دخل مطبخ المفوضية وطبخ لنا عشاء من الكركند اللذيذة. وفي صباح اليوم التالي قام بإرسال كركند حي لكل واحد من الضيوف. لقد كانت تلك المبادرة أشبه بـ «ديبلوماسية الكركند».

دعوة إلى كوبابعد ذلك مر 25 عاماً قبل أن أرى فيدل كاسترو مرة أخرى. لقد طلبت منه مراراً أن أجري معه مقابلة ثانية، لكني لم أتلق أبداً أي رد. كل ما كنت أتلقاه منه كانت بطاقة معايدة بمناسبة الكريسماس كل عام وكانت تسلم لي باليد بواسطة مسؤول من المفوضية الكوبية. كانت البطاقة تصلني عادة في أبريل، وكنت دائماً أتمنى أن تكون معها دعوة للعودة إلى هافانا. وفي أكتوبر 2002 حصل ذلك. وقتها كان كاسترو في السادسة والسبعين من عمره وكان قد مر عليه طوال مدة حكمه تسعة رؤساء أميركيين. كانوا جميعهم يتمنون أن يزول من على وجه الأرض. وعندما عدت إلى زيارته في قصر الثورة قال لي كاسترو إنني أبدو في حال جيدة، فقلت له إنه يبدو أيضاً بحال جيدة، وأنه أصبح أكثر شيباً، بينما أنا شقراء أكثر. وعادت إلى جانبه مترجمته الأمينة خوانيتا وكنت سعيدة لرؤيتها، بدت ودودة لكنها أكثر شيباً. قمنا باحتضان بعضنا ونحن نتذكر تلك الرحلة الجريئة عبر جبال سييرا مايسترا قبل أعوام عدة. وقبل وصولنا كنت قد طلبت إجراء مقابلة مع خوان ميغيل غونزاليس، والد إيليان غونزاليس، ذلك الطفل اللاجئ ذو الأعوام الخمسة الذي هاجر من كوبا، والذي غرقت أمه في البحر أثناء هربهما إلى أميركا في العام 1999، الأمر الذي جعله محط أنظار الإعلام وأثار نزاعاً في شأن حضانته بين أقربائه الغاضبين في فلوريدا، والذين كانوا يعارضون كاسترو - وبين أبيه في كوبا. وقد انتصر كاسترو في نهاية ذلك النزاع القانوني. لكن أقرباء إيليان في ميامي استأنفوا الحكم الصادر لدى المحكمة الدستورية العليا في الولايات المتحدة ضد تسليمه لكوبا، لكن من دون جدوى وفي نهاية المطاف أُعيد الطفل لأبيه خوان ميغيل في العام 2000. تلك الدراما شغلت أميركا لشهور. لكن طلبنا لمقابلة والد الطفل رُفض حتى موعد مقابلتي مع كاسترو. وفي صباح اليوم التالي أرسل خوان ميغيل إلى هافانا في سيارة حكومية. وعندما قابلت الأب قال لي ان إيليان كان سعيداً جداً لعودته إلى كوبا وأراني صورة للطفل الذي كان قد أصبح عمره وقتها تسعة أعوام. وقال لي أبوه بانه «أصبح في مثل طولي الآن تقريباً، وهو يلعب الكراتيه في المدرسة ويحمل الحزام الأخضر». كان من المستغرب سماع مثل تلك الأخبار السعيدة عن الطفل إيليان. فذلك الطفل أصبح آنذاك نجماً للبوسترات الدعائية لكوبا، كما ظهر واقفاً بجوار كاسترو في لقطات تلفزيونية العطل. كاسترو نفسه قيل عنه إن لديه خمسة أولاد والعديد من الأحفاد من بينهم ثلاثة توائم، رغم أنه في المقابلة السابقة معه لم يكن قد اعترف بأن لديه أي علاقات سواء بالزواج أو خارج إطار الزواج. وعندما سألته لماذا بعد هذه الأعوام كلها؟ أجاب: «محظور اقتحام حياتي الخاصة، هذه ليست طريقتنا». سألته: «ما الذي تخفيه؟». أجاب كاسترو ضاحكاً: «إنه حقي الإنساني، أتشبث بحقي الإنساني حفاظاً على خصوصياتي». وطاردته بالأسئلة فاعترف أخيراً قائلاً: «أجل، لدينا سلالة وهذا كل ما أستطيع قوله». ثم ضغطت عليه أيضاً بخصوص التوائم الثلاثة فرد قائلاً: «نعم، أعتقد أن هناك ثلاثة توائم، سمعت أنهم موجودون». «ذكريات انتصار»كاسترو ودعني بهدية عندما غادرت العاصمة هافانا، وكانت تلك الهدية عبارة عن كتاب يحوي صوراً تبرز كفاحه القديم في خليج الخنازير تحت عنوان «ذكريات انتصار». النص كان باللغة الإسبانية وبالطبع كان الإهداء الملحق الذي ترجمته: «إلى باربرا، التي وقعت في يدها المريعة مرة أخرى بعد 25 عاماً. أعد بأنني لن أحاول أبداً الهروب. مستحيل، وأنا أفكر بالأنس الذي سأشعر به في مقابلتنا المقبلة المخطط لها في العام 2027... التوقيع: «فيدل كاسترو»... بتاريخ: 7 أكتوبر 2002. عندما تفكر في سياسات كاسترو وأيديولوجيته تجد أنه شخصية عملاقة في التاريخ الحديث. وعندما مرض بشدة في يوليو من العام 2006 لم يعرف العالم طوال أيام ما إذا كان حياً أم لا. كنت أقوم بإعداد مدونة عن ذكراه حتى سمعت الأخبار التي تقول بأنه كان في المستشفى لإجراء جراحة فقمت فوراً بإرسال بريد إلكتروني إلى وزير الخارجية الكوبي فيليب بيريز روج لأعبر له عن قلقي وليوصل تمنياتي بالشفاء العاجل إلى كاسترو. وحتى لا يكون هناك ظن في أنني محسنة خالصة، فقط أرسلت له أيضاً بريداً إلكترونياً أطلب إجراء مقابلة معه عندما يستعيد عافيته بدرجة كافية. لكنني لم أتلق رداً من فيدل كاسترو. ومن الآن فصاعداً لن أنتظر ذلك الرد (بطبيعة الحال).