لقد كان طلال حمزة في هذه المقطوعة يطرح أسئلة للتحريض والتفكير، رافضا مبدأ السكوت والرضا والقبول بالوضع السائد، ولأنه شاعر فقد كان يفتش عن الخبايا ولا يبحث عن الحلول، حيث ترك هذه الأسئلة مفتوحة كالجروح التي تنتظر من يمر بها ويتفحصها على طريقته، ولعل من نافلة القول ان نقول بأن هذا الوضع يتوافق مع وضع مسفر الدوسري في تناوله الظاهري لهذه الحالة، وهذا الوضع سيمر معنا، غير أن حساسية مسفر في تناوله مع اللون حساسية مرهفة حالمة بينما طلال حمزة يصطدم باللون اصطداماً، وهذا الاصطدام يتوافق مع الجو العام لقصائده الموحية بعدم رضاه عن حياته أو العالم من حوله، لهذا كان كل من اللونين: الأبيض والأخضر يعكس لديه هذه الإشكالية النابعة من عدم توافقه مع الواقع، لهذا فهو ينشد من وراء هذين اللونين ما يريد أن يراه في الحياة من صدق ونور وعشق والخلاص من معاول الهدم والتصدع التي رمز إليها بـ «الأراضي البور».يمتد الحديث معنا عن تعامل الشعراء مع اللون، ليصل الكلام إلى شاعر يحفر معول الكلام في صحراء اللغة من أجل إيجاد نصوصه الشعرية، وهو الشاعر محمد المرزوقي الذي يستطعم هذا اللون من الكتابة، ولعله عبر عن هذه الحالة بأسلوب آخر، حينما قال واصفاً دخان الأرنجلية: «سرب من حمام أزرق يغادر برج هذي الشيشة» وكأنه يريد أن يقول لنا إن الشعر لديه لا يأتي إلا من خلال عملية الاحتراق والحفر الجامد والمتواصل في صحراء الوعي واللغة.المسا إسطبل لحصان أسود مل اضطهاد الحوذي الأسودالمسا هذا عشيق الأرض /‏ عبد يجامعها إذا غاب الوسيم الأبيض العاجزإن المتأمل في الكلام السابق للمرزوقي يجد أن مع هذا الجهد وضراوة هذا الحفر المتواصل، فإنه يتعامل مع الألوان تعاملاً ظاهريّاً مباشراً، غير أنه في المقابل يعكس أزمة الإنسان مع أخيه الإنسان فهذه الثنائية التصادمية خلقت لديه هذا الموقف الارتدادي الرافض لكلا الطرفين من خلال الكلام السابق، حيث قرن الأسود بالاضطهاد وقرن الأبيض بالعجز. وعلى هذا الأساس يرفض هذه الثنائية، لكنه في مقطع آخر يتغلغل بشكل أعمق لمناقشة هذه المسألة، ويبتعد عن تلك المباشرية، حيث يحاول فلسفة هذا الواقع بشكل أعمق.مجبرون إنا نكابد أفكار الثنائي القديم: أبيض أو أسودما تعطى لنا حرية التنقيب عن لون جديد ولا محددإنّ عدم رضا الشاعر عن موقف المجتمع من اللونين، حيث إن كل طرف يرى انتقاص الآخر، لهذا عمل الشاعر على تشويه كلا الطرفين، لكي يصل إلى النظرية الجدلية التي وصفها في المقطع التالي رغبة منه بالخروج من هذه المعضلة، ولكنّ فهد دوحان له رأي في هذه المسألة، وهو النظر إلى اللون الأسود كما سيمر معنا في هذا المبحث المتعلق باللون.لو حاولنا تفحص عددٍ من نصوص الشاعرة منتهى القريش لرأينا اللون الأخضر يظهر بوضوح في نصوصها، وهي تتقارب مع الشاعر مسفر الدوسري أكثر من غيره في النظر إلى هذه الحالة اللونيةكنت أعطشمهما طول غيابكترد تسأل وأروى بكوأحس قلبكنبع أخضرسحاب أمطريبلل خافقي وأفرحفاللون الأخضر يمثل لها الحياة والحب، فهو النبع الذي يروي ظمأها ويبلل عطشها إلى الحياة والوصال، فهذا النبع الأخضر منح السحاب المطر وكسا الأرض بالماء باعتبار أنها جزء من التراب، أو واقفة فوق هذه الأرض التي غمرها السحاب بالمطر.كانت وعودك هداياحقل أخضرفرحة تكبرورد فل وياسمينذبلت ورودي بغيابكيتواصل إحساس الشاعرة منتهى القريش باللون الأخضر، المعادل للحياة، فهو يأتي كمحرض لها على التواصل والبقاء والشعور بدفء الحب لديها، وهذا واضح حينما تعمل على عكس صورة مغايرة لها مع هذا الحب بسبب الإحساس بالفراق، حيث يتحول اللون لديها إلى اللون الأصفر الدال على الشحوب.بغيابكم عيديصحرا.. رمل أصفرأي إن البهجة تنقلب إلى حزن ويتلاشى الشعور بدفء اللون الأخضر، ويحل محله اللون الأصفر بما فيه من بشاعة وشحوب.إن هذا اللون لدى هذه الشاعرة له ارتباط بحالتها الوجدانية، سواء اللون الأخضر أو اللون الأصفر الدال على الشحوب، أما هذا الاخضرار فهو متصل بالموقف الوجداني العاطفي عند الشاعرة، وهو ناتج عن رغبتها بتخيل الموقف الإنساني العاطفي وتطلعها إلى الوصول إليه.من خلال هذه المسيرة، يتضح لنا أن الشعراء كادوا أن يتوافقوا في تناول هذه الألوان بشكل ظاهري حسي، غير أن الحالة الذهنية المجردة تختلف من شاعر لشاعر، فلو تأملنا من الوهلة الأولى لظهر لنا اللون الأزرق يرتبط بالموت وعدم الجدوى من الحياة، وهذه الحالة التي عند فهد المرسل تختلف عن حالة فهد عافت مع هذا اللون.جلدك الأزرق يحررني من أشيائيويبعثرني ورا هذي الحياة اللي نبددها على دروب الرضا الحيلقد حضر اللون الأزرق كدلالة على الموت، غير أن هذا الأزرق منح المقابل الشعور بالحياة أو الانطلاق بعيداً، بينما ظل الميت كما هو مسجى، أي إن هذا الموت كان محفزاً على الحياة.ثم يقول على لسان امرأةليه يا زوجي العزيز ؟ليه تتركني لكلاب الخبث والنـزوات ؟ليه تترك جسمي الأزرق فريسة للمناقير