كثرت الانتقادات وكثرت النزاعات وكثرت الأزمات المرتبطة بالسوق المالي والتي كلفت المستثمرين والدولة الملايين وأدت الى هز سمعة الاقتصاد الوطني، فأين الحل؟يعتبر السوق المالي من أهم وأبرز واجهات الاقتصاد كما يعتبر وجود هيئة معنية بتنظيمه ورقابته من أهم الدعائم الأساسية واللازمة لتحويل الكويت الى مركز مالي جاذب للمستثمر الأجنبي ورائد على المستويين الاقليمي والعالمي.ان ارتفاع المؤشر أو زيادة حجم التداول لا يعنيان بالضرورة أبدا أن سوق البورصة بخير. لقد أثبتت وأجمعت التقارير العالمية والمحلية كتقارير البنك الدولي وديوان المحاسبة وجمعية الشفافية الكويتية وغيرها على وجود خلل فادح في البنية التحتية للسوق المالي ووجود اشكالية في كفاءة ادارة السوق المالي. ان الاشكالية في الوضع الحالي لا تعود فقط الى غياب تلك الهيئة الرقابية، بل تعود أيضا الى عدم اتفاق القواعد المنظمة للسوق المالي مع أفضل الممارسات الدولية. وعلى الرغم من تقديم تلك التقارير بشكل رسمي الى الجهات المعنية الا أنه لم يتم اتخاذ الاجراءات الكفيلة واللازمة لتلافي ما تضمنته تلك التقارير من ملاحظات لمعالجة أوجه الخلل والقصور بل تمت احالة التقارير والملاحظات لنفس الجهات التي تعاني من الخلل لأخذ رأيها واتخاذ اللازم!ان اللازم باختصار يكمن في الغاء لجنة السوق وتعديل البنية التحتية للجهاز الرقابي للسوق! نعم، لقد أجمع جميع الاستشاريين بأن الحل يكمن في:1 - الالغاء الفوري للجنة السوق التي يشوب تشكيلها تعارض المصالح مما يبعد عنها صفة الحيادية والاستقلالية اللازمتين لنزاهة الأسواق المالية وذلك بمجرد تمرير قانون تنظيم السوق المالي.2 - انشاء هيئة رقابية حكومية ذات صلاحيات وسلطات واسعة تُدار بواسطة أشخاص متخصصين متفرغين حياديين مستقلين ليس لهم مصالح في السوق.فلقد نص تقرير البنك الدولي تحديدا على ما يلي:«وعلى الرغم من أن القانون ضمن الاستقلالية للجنة السوق الا أنها في واقع الأمر ليست مستقلة من التدخلات السياسية والتجارية في ممارسة دورها. فمن جانب نرى أن الوزير يترأسها ما يخلق تدخلا سياسيا ومن جانب آخر نرى أنها تضم ستة أشخاص من القطاع الخاص ورجال الأعمال ما يخلق تعارضا واضحا في المصالح»«While the law grants the independence of the Market Committee, it is not, in practice, operationally independent from external political or commercial interference in the exercise of its function. On the one side, the minister is the chairman of the committee and this might create a political or policy conflict. On the other side, six members of the committee represent the market players and business community and thus create an obvious conflict of interest».واننا نتساءل، ما الذي تم اتخاذه منذ تاريخ نشر التقرير (2003) الى يومنا هذا لحل الاشكالية المشار اليها أعلاه والتي ساهمت بطريقة أو بأخرى في التسبب في خلق الكثير من الأزمات التي مر بها السوق. ولعلنا أيضا نتساءل: في ظل بطء صدور التشريعات في دولة الكويت عن كيفية ايجاد حل فوري وموقت لتلك الاشكالية لحين انشاء الهيئة الرقابية. ففي ظل تدهور الأوضاع وتصاعد حدة الخلافات فاننا نرى أنه قد يكون من الضروري اجراء تعديل فوري للنص الخاص (المادة الخامسة) بتشكيل لجنة السوق من المرسوم الصادر في 14 أغسطس 1983 في شأن تنظيم سوق الكويت للأوراق المالية واشتراط هيمنة الأعضاء المستقلين على تلك اللجنة لضمان الاستقلالية والحيادية بالاضافة الى اشتراط تحديد فترة الأعضاء، ويقصد بالعضو المستقل: العضو الذي لا يكون حليفا لأي جهة تخضع لرقابة السوق وذلك وفقا للمعايير العالمية ومعايير الحوكمة.ولعل من الأهمية هنا عرض الهيكل الرقابي الحالي الذي يقع بأيدي أربع جهات كالتالي: ادارة السوق ووزارة التجارة والصناعة والبنك المركزي ولجنة السوق. ان تشتت الدور الرقابي والتشريعي والتفتيشي بين هذه الجهات الأربع يجزئ ويقلل من فعاليته ويترك ثغرات في كثير من الأمور ما يسهل على بعض الجهات المشاركة في السوق استغلالها. كما تعتبر لجنة السوق التي يشوبها تدخل سياسي وتجاري أحد أكبر الاشكاليات المتعلقة برقابة السوق وذلك بنص تقرير البنك الدولي أعلاه. فاللجنة تحتوي على أربعة أعضاء من غرفة التجارة والصناعة ؛ وعضوين مستقلين يختارهما الوزير المختص، وممثل من وزارة التجارة والصناعة (وكيل الوزارة الذي يمارس رقابة مزدوجة أحداهما على المستوى الوزاري والأخرى على مستوى لجنة السوق)، وممثل عن وزارة المالية (وكيل الوزارة)، وممثل من البنك المركزي، والمدير العام للبورصة، ويترأس هذه اللجنة وزير التجارة والصناعة. وعلى الرغم من أن القانون نص على استقلالية اللجنة وأعضائها الا أنه لم يضمن حياديتها في أداء أعمالها ولم يكفل تحقيق الاستقلالية. فهي ليست بمنأى عن التدخلات السياسية بسبب احتوائها على أعضاء من الحكومة كما أنها ليست بمنأى عن التدخلات التجارية بسبب احتوائها على أعضاء من غرفة التجارة والصناعة. كما أن تطبيق مبدأ الاستقلالية بحاجة الى مراجعة واعادة نظر، فكيف للعضو المستقل والذي من المفترض يمارس انه دورا رقابيا أن تكون له مصالح مباشرة في السوق؟ وكيف لهذه العلاقة أن تكون في منأى عن أي استغلال دون وضعها في الاطار القانوني والتنظيمي السليم في ظل لائحة واضحة ومعلنة وشفافة لضبط الأمور ولتحقيق العدالة؟!وفيما يلي عرض لأهم العناصر المسببة لمشاكل السوق المالي:1 - خلل في الهيكل التنظيمي الرقابي للسوق المالي وتشتت الرقابة ما بين أربع جهات مع ضعف التنسيق فيما بينهم ما يتنافى مع المعيار الأول من معايير منظمة الأيسكو العالمية.2 - عدم خضوع ادارة البورصة وادارة المقاصة الى رقابة من قبل هيئة متخصصة ومستقلة منذ تأسيسهما وحتى اليوم وذلك خلافا لما هو معمول به في كل أنحاء العالم.3 - عدم مراعاة مبدأ تعارض المصالح ومعايير الحوكمة الحديثة في التشريعات المنظمة للجهاز الرقابي على السوق المالي وذلك خلافا للمنهجية العالمية والحديثة وخلافا للمبدأ الخامس لمنظمة الأيسكو.4 - تداخل الاختصاصات ما بين الجهات الرقابية وعلى الأخص ما بين لجنة السوق وادارة السوق.5 - عدم مراعاة التشريعات واللوائح الحالية لعنصر الشفافية في الاجراءات والقرارات.6 - قصور في التشريعات المنظمة للسوق المالي وعدم مواكبتها للتطور والنمو الذي شهدته الأسواق المالية.النتائج المترتبة على المشاكل أعلاه:1 - خروج لجنة السوق عن دورها الأساسي الرقابي على ادارة السوق واندماجها مع ادارة السوق لتكون جهة واحدة، فأصبح الخصم هو الحكم.2 - عدم وجود رؤية واستراتيجية واضحة للتعامل مع الأزمات على الرغم من أن مرسوم السوق ألزم اللجنة بوضع خطة لمواجهة الأزمات.3 - عدم التزام ادارة البورصة ولجنة السوق بمعايير الحوكمة التي ترتكز على تدعيم مبادئ الشفافية والعدالة وعدم تعارض المصالح وذلك نتيجة لغياب النصوص الملزمة لتطبيقها.4 - عدم كفاية الطاقم الاداري المعني حاليا باجراء التدقيق والرقابة لدى البورصة، فعلى سبيل المثال يبلغ عدد الموظفين المسؤولين في ادارة الرقابة على المحافظ المالية والاستثمارية والبالغ قيمة اجمالي الأصول التي تخضع لرقابتها ما يقارب 23 مليار دينار موظفين اثنين فقط.ان الظواهر والأحداث التي يمر بها سوق الكويت للأوراق المالية لتؤكد الحاجة الى اقرار قانون شامل حديث ذي رؤية واضحة ومحددة لتنظيم السوق المالي يتضمن حلولا للعديد من الأحداث والأزمات التي مرت بالسوق والتي ستمر على السوق على أن يكون معدا اعدادا مستقلا بما يتماشى مع أفضل الممارسات والمعايير العالمية. ولقد تم بالفعل تقديم قانون بتلك المواصفات من قبل الفريق الوزاري حيث تم اعداده بشكل مدروس آخذا في الاعتبار تجارب الدول المتقدمة، الا أنه قد تم احلاله بقانون هش ضعيف لا يحمل في طياته أي تنظيم للسوق المالي ولا يعدو عن كونه قانونا لانشاء هيئة وسيؤدي حتما الى تكريس وتشريع الوضع الحالي المليء بالثغرات. ان المطلوب لتحقيق رؤية صاحب السمو أمير البلاد بتحويل السوق المالي الكويتي الى سوق جاذب للاستثمارات المحلية والأجنبية وجعل الكويت مركزا ماليا وتجاريا هو اقرار قانون يؤدي الى انشاء هيئة رقابية قوية على أسس قويمة بما يضمن تدعيم الثقة وتحقيق العدالة وتوفير أفضل حماية لجميع المستثمرين.واذا استعرضنا بعض مواد مسودة القانون المُعد من قبل الفريق الوزاري، على سبيل المثال لا الحصر، والحلول التي تضمنتها للأزمات التي مر بها السوق:المادة 25:«لا يجوز اعتماد أو تعديل أو الغاء أي مادة من الأنظمة أو القواعد أو اللوائح أو المبادئ أو الاجراءات الحاكمة للمؤسسة ذات التنظيم الذاتي الا بعد الحصول على موافقة الهيئة، للتأكد من الالتزام بمتطلبات الباب الثالث من هذا القانون، كما يجب تسجيل اعتماد المواد أو تعديلها أو الغائها لدى الهيئة طبقا للنظم واللوائح التي تقررها الهيئة لهذا الغرض».ان السلطة الممنوحة للهيئة بموجب المادة أعلاه تضمن للهيئة تطبيق العدالة وضمان عدم وجود تعسف في القرارات الصادرة عن ادارة السوق. لذا فانه يجوز للهيئة اعتماد وتعديل والغاء اللوائح والقرارات الصادرة من البورصة أو المقاصة في حال مخالفتها لمتطلبات وشروط الهيئة وفي حال عدم عدالتها. فهذه المادة تؤكد فصل قرارات الهيئة الرقابية عن قرارات البورصة وجميع المؤسسات ذات التنظيم الذاتي.المادة 19:«تختص الهيئة باصدار أو تعديل أو الغاء اللوائح والقرارات اللازمة لتنفيذ أحكام هذا القانون وبما يتفق مع أهدافه. ويتم بموجب لوائح وقرارات الهيئة تعريف المصطلحات الفنية، ووصف شكل ومحتوى متطلبات السجلات التي يجب على الأشخاص المرخص لهم الاحتفاظ بها والمستندات التي يتوجب عليهم تقديمها للهيئة، وتصنيف الأشخاص والأوراق المالية والتعاملات ومعايير الافصاح، وتحديد المتطلبات والشروط الخاصة بكل فئة. وعلى الهيئة اصدار تلك اللوائح خلال موعد أقصاه سنتين من تاريخ صدور القانون».تعتبر المادة أعلاه حجر أساس للهيئة، بمعنى أنها تمنح للهيئة سلطة اصدار جميع اللوائح اللازمة لتنفيذ القانون ليتم تطبيقها على جميع الشركات بعدالة. فجميع اللوائح المتعلقة بتفاصيل الدمج، ومعايير الحوكمة، ومتطلبات الترخيص، ومعايير الافصاح...، ستكون الهيئة قادرة على اصدارها مباشرة بعد تأسيسها.المادة 56:«يجب على المالك المستفيد خلال مدة لا تجاوز 10 أيام عمل من تملكه النسبة المشار اليها ارسال بيان الى كل من الجهة المصدرة للأوراق المالية، والسوق المالي المرخص حيث يتم تداول أو ادراج الورقة المالية ذات حق التصويت فيه، والهيئة، يحتوي على: (1) اسم الشخص وعنوانه، والخلفية العملية والمهنية له، وجنسيته وطبيعة ملكية الشخص أو المجموعة المستفيدة، بما في ذلك قيمة ونسبة الأوراق المالية ذات حق التصويت والمملوكة من قبل ذلك الشخص أو كافة الأشخاص في مجموعة ما، و(2) أي معلومات اضافية تشترطها الهيئة بموجب اللوائح الصادره عنها». تم بموجب الباب السابع من القانون وضع أساس لآلية الافصاح عن ملكية المساهمين الرئيسيين كما تم تحديد مجموعة من العقوبات المتدرجة في الباب التاسع لتتماشى مع حجم المخالفة ذات العلاقة. كما أنه سيتم اصدار لائحة خاصة بتنظيم عمليات الاستحواذ والدمج والتي تعتبر غير منظمة في الوقت الحالي. وفي هذا الباب الغاء للقانون رقم (2) الصادر في عام 1999 بشأن الاعلان عن المصالح، الذي أوقعنا في أزمة التحييد وأزمة الوطنية التي لم تكن عادلة لشريحة كبيرة من صغار المساهمين خلال العام السابق.الباب التاسعلقد تم تجريم ممارسات السوق غير العادلة كالتداول على معلومات داخلية، والادلاء ببيانات غير صحيحة أو مضللة، واغفال الافصاح عن معلومات جوهرية وبث الاشاعات في السوق والاضرار في السوق، ومن الجدير بالذكر أن تشريعاتنا الحالية اما أنها لا تُجرم تلك الممارسات أو أنها تفرض عقوبات غير رادعة على مرتكبيها ما يسهل ارتكابها.ختاماان غياب الهيئة الرقابية تبرز أهميته في فترة أزمات السوق المالي الاقتصادية والتي قد يعود السبب في وجودها الى خلو الساحة من هذا الجهاز الرقابي الحيوي. والسؤال هنا هل سننتظر حدوث المزيد من الأزمات التي أضرت بمصالح المستثمرين وكبدتهم الخسائر كأزمة تحييد الأسهم وأزمة زيادات رؤوس الأموال وأزمة صفقة الوطنية، وأخيرا وليس آخرا أزمة قرارات الدمج وما نتج عنها من تكبيد المستثمرين للخسائر وأدى الى فقدان الثقة بعدالة وشفافية اجراءات السوق وقرارات لجنة السوق؟ وهل سننتظر تسرب استثماراتنا المحلية وخروج المزيد من الشركات الرائدة عالميا الى أسواق الدول المجاورة؟ فوفقا لتقرير الأمم المتحدة الصادر أخيرا عن مؤتمر التجارة والتنمية في أونكتاد احتلت دولة الكويت المرتبة الأولى عربيا في تصدير رؤوس الأموال للخارج بقيمة تدفقات تساوي 8.7 مليار دولار!ونود أن نلفت النظر الى ما أنجزته الدول المجاورة في مجال تنظيم الأسواق المالية وتخطيها لمرحلة وضع القانون وعدم خوضها في خلافات تتعلق بتحديد التشريع الأنسب لتنظيم السوق وعدم تحججها بضرورة مراعاة القانون لخصوصية الدولة، وانما وضعت نصب أعينها التنمية ومستقبل البلاد الاقتصادي والصالح العام وقامت بفرض تشريع عالمي بمنأى عن تدخل أصحاب المصالح وذلك من قبل أفضل المستشارين العالميين واستشارة مكتب العلاقات الدولية في هيئة الرقابة الأميركية. لذا نرى أن بورصات تلك الدول دأبت في الآونة الأخيرة في التنافس على شراء حصص في البورصات العالمية، حيث قامت هيئة الاستثمار القطرية بشراء 20في المئة من بورصة لندن و10في المئة من بورصة أو ام اكس وتقدمها بعرض شراء للبورصة الاسكندنافية في ستوكهولم، وقيام بورصة دبي بشراء 28في المئة من بورصة لندن. ويعود السبب الرئيسي في ذلك الى توافق تشريعات تلك الدول مع أفضل المعايير العالمية.ان الحل المطلوب هو (1) اجراء تعديل جذري لأساس المشكلة ألا وهي الخلل في الهيكل التنظيمي الرقابي بأسرع وقت ممكن، وان كان باعادة النظر في المادة الخاصة بتشكيل لجنة السوق كحل مؤقت لحين انشاء الهيئة و(2) الاسراع بتمرير قانون كفيل بتوفير الحماية للمستثمرين وضمان العدالة والشفافية والنزاهة في السوق المالي بحيادية وأسلوب يبتعد عن مظان الطعن و(3) الابتعاد والحذر من القوانين المقترحة من جهات ذات مصالح تهدف الى حمايتها على حساب الصالح العام وحساب كافة المستثمرين.

* أستاذة التمويل في جامعة الكويت