اعلنت «القاعدة» منذ دخول القوات الأميركية إلى العراق، «حربا مفتوحة» عليها، وعلى كل من يساند ويساعد ويدعم وجودها في بلاد الرافدين. إلا أن هدف «القاعدة» (التيار التكفيري السني) الرئيسي، انصب على مقاتلة «الروافض»، اي الشيعة.وفي لبنان، ظهر اختلاف واضح بين التيار السلفي والتيار التكفيري، في تعاطي كل منهما مع شيعة لبنان، خصوصا «حزب الله». وهناك تباين واضح بين التيارين، في الاستراتيجية والأولويات والأهداف وحتى الفكر العقائدي. وفي هذا الاطار، قال مصدر قريب من «حزب الله»، معني مباشرة بهذا الملف، ان هناك اتفاقا واضحا وميثاقا بين التيار السلفي والحزب، تمت المصادقة على كل خطوطه العريضة، من خلال لقاءات مستمرة، عقدت على الأراضي اللبنانية، وأن ما يجمع الحزب وهذا التيار، اهم بكثير من بعض الاختلافات في المسائل العقائدية والفقهية، «من اجل صد التهديد عن الأمة ودرء الفتنة بين المسلمين، انطلاقاً من الأحداث التي حصلت وتحصل في العراق، حيث سفكت الدماء، والمستفيد الأول، اعداء الأمة».ويتابع المصدر لـ «الراي»، عشية «اعلان التفاهم»، بين «هيئة إحياء التراث الإسلامي» التي تضم نحو 14 جمعية سلفية، وبين «حزب الله»، فإن جهوداً حثيثة بذلت لمنع وقوع فتنة او تقاتل مذهبي بين الطرفين، وذلك مرده لسلسلة من الأحداث من الضروري التوقف عندها، وهي:1 - «في بداية سنة 2005، انصبت الجهود الأمنية والعسكرية لـ «حزب الله» في الداخل اللبناني، على تدابير احترازية لمنع العمليات الانتحارية ضد التجمعات والاحتفالات الشيعية والتي كانت تقام في الضاحية الجنوبية والمناطق الأخرى. وقد اتخذت هذه التدابير جراء العمليات الانتحارية، التي كانت تحدث في العراق من دون تمييز بين مقاتل او مدني من الشيعة. إلا أن احدى نتائج حرب يوليو، ابعدت هذا الخطر، ومنحت هذه التنظيمات شعوراً بأن اداء واهداف شيعة لبنان تختلف عن أداء وأهداف شيعة العراق، وأن «حزب الله»، حاز تعاطف مجمل الدول الإسلامية والعربية، والتي يعتبر اكثرها سنية، بسبب الانتصار على عدو مشترك بين الشيعة والسنة،واذا ما استهدف شيعة لبنان، فقد ينعكس ذلك سلباً على التنظيمات التكفيرية ويضعها في خانة التخاذل والتعاون مع الأميركي والإسرائيلي معاً، لذا جعل شيعة لبنان محصنين الى حد كبير حينها.2 - حتى عام 2005 لم يكن لدى «حزب الله» اي اهتمام بالوضع الداخلي ولا بالسياسة الداخلية، لأن هذه كانت من مسؤولية القوات السورية، والتي كانت متواجدة في لبنان. وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية، كان لزاماً على الحزب أن يكون جزءا من التركيبة السياسية الداخلية، لحماية ظهر المقاومة وسلاحها، وأصبح اهتمامه بالداخل، يأتي في المرتبة الثانية، بعد هدفه الأول والذي يتمثل في مقاومة العدو الإسرائيلي. وهنا ليس من العيب القول، ان «حزب الله» وثق بحلفائه السياسيين عبر الحلف الرباعي في الانتخابات النيابية عام 2005، والذين غدروا به بعد ما حصلوا على الغالبية النيابية. ولهؤلاء الدور الأساسي بعد حرب يوليو 2006 وانتصار «حزب الله»، في محاولة استنزاف المقاومة سياسياً وأمنياً في الداخل، حتى تصور هؤلاء الحلفاء السابقون، بأن الطريقة الفضلى لسلب انتصار المقاومة، هي بالعودة بالخلاف الى 1400 سنة، وإظهار المعركة بين السنة والشيعة، وليس بين الخط المقاوم للعدو الإسرائيلي والمشروع الأميركي في المنطقة، والخط المعتدل الداعم لهذا المشروع، وهذا ما حفز العمل للجهات التكفيرية على الساحة اللبنانية من بوابة الخلاف المذهبي.3 - أتت حرب نهر البارد، وقررت حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وأيدها تيار «المستقبل» بزعامة النائب سعد الحريري الذي يمثل الغالبية السنية، مهاجمة المخيم الفلسطيني وبالتحديد تنظيم «فتح الإسلام» المقرب من «القاعدة». أما «حزب الله»، فرفض جملةً وتفصيلاً، مهاجمة المخيم وتدميره، ومن دلائل هذا الرفض، أن «حزب الله» أراد أن يشير إلى ضرورة الابتعاد عن أي صراع داخلي، لأنه لا يخدم مصلحة البلد بل يصب في خانة عدم الاستقرار، وهذا جل ما يتمناه العدو الاسرائيلي. كما أن الحزب لم ينف ضرورة التعامل مع الخارجين عن القانون، بطريقة قضائية وأمنية، لكنه ارتأى ضرورة عدم مهاجمة «فتح الإسلام»، خدمة للمشروع الأميركي ورغباته، لأن من سيدفع الثمن هو الشعب اللبناني، وقد ثبت اليوم أن موضوع «فتح الاسلام»، لم ولن يقفل، وأن من المحتمل أن تكون معركته مع الجيش اللبناني، ما هي إلا في بدايتها، كما هو متوقع من خلال العمليات الأمنية التي شهدناها في الآونة الأخيرة في منطقة طرابلس الشمالية، ذات الغالبية السنية، والوعد بالانتقام من الجيش الذي توعد به امير «فتح الإسلام» شاكر العبسي. وقد توج موقف «حزب الله»، ببدء تقارب قوي بينه وبين السلفيين في الشمال اللبناني وجنوبه، على قاعدة أن الحزب لم يشترك في أي معركة نزف فيها دم إخوانه من المسلمين السنة. إلا أن هذا التقارب بين الشيعة والتيار السلفي، لا بد أن يولد تياراً سلفيا أكثر تشدداً، في محاولة لضرب هذا التقارب، والإيحاء بأن من خلفه لا يمثل مجمل الأطياف السلفية.4 - إن العلاقة بين التيار السلفي في لبنان و«حزب الله»، ليست وليدة الأمس، بل لها جذور عميقة، خصوصا في صيدا، وقد ظهرت جليا خلال الاحداث الاخيرة في مايو الماضي، عندما اطلق المفتي الشيخ محمد رشيد قباني، نداءه لنصرة السنة، ضد ما اعتبره هجوم الشيعة ضد بيروت العاصمة وسكانها، وتصدى له حينها، الشيخ ماهر حمود، إمام مسجد القدس في صيدا وزعيم التيار السلفي في عاصمة الجنوب، الذي أوضح رؤيته علنا، رافضاً مبدأ الصراع السني - الشيعي، ونجح في ابراز هوية الصراع الحقيقي، بين تيار داعم للولايات المتحدة وسياستها الشرق أوسطية، وتيار معارض لها، ما ابعد شبح الصراع المذهبي في حينها.5 - ان زيارة الحريري، للنجف الأشرف، انعكست سلباً عليه، بين أبناء التيار السلفي اللبناني المعارض للسياسة الأميركية، إذ تداولت هذه الأوساط نظرية مفادها بأن الحريري لم يستطع ايجاد أي اختراق بين صفوف الشيعة في لبنان المعادين لسياسة الهيمنة الأميركية، فتوجه لفتح قنوات مع شيعة العراق غير المعارضين لوجود قوات الاحتلال الأميركية. ومعروف أن سماحة آية الله العظمى المرجع السيد علي السيستاني، لم يشأ التطرق إلى موضوع لبنان، على اعتبار أنه شأن داخلي ويبحث بين اللبنانيين... وكانت هذه الزيارة، عاملاً مساعداً لتأكيد نوعية الصراع السياسي وليس المذهبي في لبنان.ويختم المصدر لـ «الراي»، بالقول، «مما لا شك فيه أن الصراع المذهبي، حقيقي، ولا يمكن إخفاؤه، وهناك عمل دائم وحثيث لمعالجته بطرق ناضجة ومسؤولة، من دون التظاهر بأنه غير موجود ولا يمكن التحدث به، وان ما يجمع السنة والشيعة، أهم من التوجه الى ساحة داخلية ومفتعلة تخدم مصلحة أعداء الطرفي. ولا يتوهمن أحد أن هذه الطريق سهلة، لأن أطرافا متطرفة ستبرز بقوة أثناء هذه المسيرة، للحؤول دون ايجاد قواسم مشتركة كافية لدرء خطر الصراع المذهبي بين السنة والشيعة».
خارجيات
«حزب الله» والتيار السلفي في لبنان: من خطر التصادم إلى مشروع تعاون
09:25 ص
| كتب علي مغنية |