ماذا فعل بنا هذا العدو اللدود المسمى التعصب؟هل من بصيص ضوء في هذا الظلام الحالك؟ وكيف الخلاص؟ وهل يمكن أن نتحدث عن المستقبل في أوطاننا؟المستقبل غامض لأن لا أحد يفكر فيه، وحينما نتحدث عن الفكر فإننا نتحدث عن الإرث، والمشكلة ان إرث الماضي هو الحاضر للأسف، فلا يفكر الشيعي إلا بالحسن والحسين، ولا يفكر السني إلا بعمر وعلي.كيف أصبح المتعصب متعصبا؟ هي التربية منذ الصغر، هي التغذية والتعليم والتلقين والشحن المستمر في البيت والحي والمدرسة والمسجد والمأتم، حتى يصل الشخص إلى مرحلة ينفجر هذا البالون المنتفخ ليتطاير كل العفن المتكدس والمتراكم في هواء المجتمع.إن التعصب المقيت للرأي يؤدي إلى الانحراف عن معايير العقلانية والإنصاف، وعدم التسامح ورفض الآخر، واعتقاد المتعصب أنه وحده الصواب وعين الحق، وبأنه من أصحاب الفرقة الناجية، وغيره باطل وكلهم في النار، إلا هو وأتباعه في جنات النعيم، هذا الفكر يؤدي إلى إلغاء الآخر، ورفض: الاختلاف، والاجتهاد، والتفكير، والعقل.ويأتي دور المؤسسات الدينية في انتقاء ما تريد من معلومات لإبلاغها إلى العامة، وتقديس أقوال رجال الدين وتحويلها إلى شبه نصوص قرآنية، ما يؤدي إلى التعصب الأعمى.التعصب الديني ليس من الدين نفسه، بل في من يتكلم باسمه، ويضع نفسه وصيا على البشر، التعصب يرتبط بالمناخ السائد، فإذا كان المجتمع يغذي الحقد والكراهية للمذهب أو الدين الآخر، فمن الطبيعي أن يسود التعصب.هل علينا أن نبدأ بفصل الدين عن السياسة؟ كما فعلت كل الشعوب المتقدمة لكي نواجه التعصب ونهيئ المناخ للنهضة المأمولة؟وهل يمكن أن نحقق ذلك؟ أم انه من المستحيلات؟ لأسباب عدة أهمها ان رجال الدين دوما يرددون ان الاسلام دين ودنيا، وهو فعلا كذلك، خصوصا في الأمور المتعلقة بالمعاملات والقوانين المدنية المستمدة من الشرائع السماوية، والقرآن جاء بآيات كثيرة تخص ذلك.أما السياسة، فلا يوجد نص قرآني يحدد شكل الدولة والخلافة، والرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يحدد اسم وريثه، لكي يؤكد ان أمور الخلافة والسياسة بيد البشر، لا بيده، وهو النبي أشرف المرسلين، وبالتالي ليست بيد أي حاكم، ولا بيد أي رجل دين، ممن يفسرون الدين بشكل يتناسب مع مصالحهم، من أجل السيطرة والتحكم في حياة الناس ومصائرهم، كما كان الكهنة يفعلون في أوروبا القرون الوسطى.وبالفعل استطاع رجال الدين التأثير على عقول الشباب من الطائفتين، لأن الدين يلامس الجانب الروحي والعاطفي عند المرأ، ونعتقد ان معظم خطباء المساجد والمآتم بحاجة إلى تأهيل في أصول الخطابة، لتعزيز ثقافة احترام الآخر، لكن معظمهم ضد الآخر، فهل يمكن أن يتعلموا أويمارسوا شيئا هم يرفضونه؟ وللأسف يستخدم البعض المنابر الدينية في المساجد والمآتم للشحن الطائفي.والآيات القرآنية تُفسر بحسب الأهواء، والعدد الهائل للقنوات الدينية يُظهر حجم المصالح الشخصية، وكل قناة تفتي بشكل مناقض للأخرى، مع ان الدين واحد والله واحد، لكن كل ما يلزم للتعصب، رجل دين متطرف وقناة فضائية.كذلك بعض الجمعيات المتأسلمة وجماعات الإسلام السياسي، لها دور في التعصب الطائفي، من خلال شحن عقول الأطفال والمراهقين بالحقد والكراهية للآخر.وبعض العصابات تستغل الأمر وتنسق مع رؤوس الفتنة، وتعمل على اصطياد المراهقين والشباب ممن يعانون من الفقر أو الاضطرابات النفسية، فيتم استغلال نقاط الضعف وجرهم إلى الإدمان، فيكونوا تحت رحمتهم لتحويلهم كما يريدون وغسل أدمغتهم، لتقودهم هلاوسهم الانتقامية من المجتمع إلى القيام بعمليات انتحارية بأوامر من أمير الجماعة، أو تكديس السلاح لدى خلايا سرية بمباركة رجال الدين المتطرفين، هذا عدا الأموال الطائلة التي تُضخ لهذه الأغراض الدنيئة، فما الحل لهذا التعصب المتغول؟من المفترض أن تُستخدم المساجد والمآتم للعبادات فقط، يشترك فيها جميع الطوائف ولا يتم تقسيمها بحسب المذهب، فالروحانيات أعمق من الانتماء لطائفة معينة، لكن كيف يتم ذلك؟الدولة لها اليد الطولى، والدين ذاته ليس المشكلة، بل التفسير الخاطئ، والتطبيق المعاكس للدين، والذي يأتي بحسب رغبات ومصالح المتمصلحين، بتعمد اقحامه قسرا في السياسة، فهل يمكن أن يأتي يوم نفصل فيه الدين عن السياسة؟aalsaalaam@gmail.com
مقالات
ضوء
التعصب وأسبابه
02:12 ص