تستدعي الكاتبة سلوى حبيب علي في كتابها القصصي «نساء من قرطبة»، الكثير من الحكايات، التي تؤرخ لحقبة مهمة في تاريخ قرطبة، تلك البقعة الجميلة من الأرض، والتي قامت عليها أعرق الحضارات العربية الإسلامية.... كي تحكي بكثير من التفصيل عن قصص عربية وقعت في هذه المدينة التاريخية، سواء كانت هذه القصص رومانسية تعبر عن الحب أم أنها تعبّر عن الكيد والانتقام.والكتاب صدر عن دار سبارك للنشر والتوزيع، ضمن سلسلة «الكتاب الأول»، في طباعة فاخرة ومتميزة، بإشراف الدكتور سند راشد ومحمد جاسم المطوع، في ما قام أحمد عاطف مجاهد بتصميم الغلاف الخارجي والإخراج الفني للكتاب.تقول المؤلفة سلوى حبيب علي في تقديمها لكتابها: «هذه حكاية سافرت بها لمدة ثلاثمئة سنة، لذا لم أرتبط بتواريخ وأزمنة أو حقبة للأحداث والشخصيات، الحقيقية منها... بل مزجها جميعا لخلق حكاية توقظ خيالكم».في ما استهلت كتابها ببعض ما قيل عن قرطبة: وليس في غيرها بالعيش منتفع، ولا تقوم بحق الأنس صهباء، وكيف لا يذهب الأبصار رونقها، وكل روض بها في الوشي صنعاء، أنهارها فضة والمسك تربتها، والخز روضتها والدر حصباء، وللهواء بها لطف يرق به، من لا يرق وتبدو منه أهواء.وتناولت الكاتبة قصصها من خلال تعدد الرواة، فتارة تكون المؤلفة هي الراوية، وتارة تجعل إحدى بطلات تتحدث عن قصتها (الراوية)، مما أعطى لعملها مدلولات فنية متنوعة وذات مستويات كتابية مختلفة.وجاءت شخصية خزامى الدلالة، كمحور أساسي لقصص الكتاب، وهي التي لها دور رئيسي في تحريك الأحداث، وهي التي استقبلت أو احتضنت بطلة القصة الأخرى سمانة ابنة محبوب بن الجامع بن علي، التي هربت من بيت أهلها بسبب إصرار أهلها على تزويجها من رجل ثري لا تريده، وبالتالي لجأت إلى خزامى كي توفر لها سكنا صغيرا في قرطبة، تتمكن فيه من العيش والصرف على نفسها من خلال مهنة الحياكة التي تجيدها.ومن ثم نجد أن خزامى تتحدث عن سمانة تلك الفتاة الجميلة الطموحة، ثم نرى في فقرة أخرى من الكتاب أن سمانة هي الراوية التي تتحدث عن نفسها، وعن تطلعاتها والمشاكل التي تواجهها، وهكذا تتبادل بطلات العمل الحديث كراوية،.وتظهر شخصية نعناعة الطباخة، ابنة خليل الحسن، والتي هربت من بيت أبيها بسبب ما كانت تتعرض له من إهانات ومذلة على يدي زوجة أبيها، وبالتالي قويت صداقتها مع سمانة التي رأتها لأول مرة مع خزامى الدلالة، في ما نقرأ عن شخصية أخرى«زكية»ابنة الرجل الثري منصور، والتي عملت عندها سمانة، ثم تظهر شخصية الوزير عزيز، زير النساء، والذي تقوم خزامى بحبك ألاعيبها من أجل الانتقام منه لتعرضه لصديقتها سمانة، وكشفه أمام زوجته، وفي سياق الأحداث نقرأ عن شخصية زاهدة وهي امرأة طيبة إلا أن زوجها بدران يخونها مع اختها فريال سليطة اللسان... كما نقرأ شخصيات أخرى هامشية مثل مناف... واخت خزامى من أهملها التي التقت بها عن طريق الصدفة، والمحتسب بجشعة وهو صاحب منصب في السوق يجمع بين المراقبة وتشريع القوانين، والقاضي جابر والكثير من الشخصيات التي ازدحمت بها الأحداث.وضمنت الكاتبة قصصها بأبيات شعرية، أسهمت في إيجاد حالات نفسية متزنة في متون العمل، وهي حالات ساعدت كثيرا على فهم الأحداث وإفشاء روح متجددة على الأحداث.ولم تكتف الكاتبة بسرد أحداث وقعت في قرطبة، ولكنها انتقلت بالشخصيات إلى مصر وكيف تعرضت رحلتهما إلى المخاطر وسيطرة القراصنة، وغيرها من الأحداث التي جاءت في تفاعل درامي متنوع.وعلى مستوى الأسلوب استخدمت المؤلفة سلوى حبيب علي أسلوبا سهلا في متناول القارئ العادي الذي تستهدفه بقصصها، ومن ثم فقد استطاعت أن تسلك طريقا واضحا في سرد الأحداث، من خلال هذا الأسلوب، كي تكون النتيجة قصصا تعبر عن مدلولات إنسانية شتى، وبتفاعل إنساني جذاب: حسنا... إن حديث الأعين لا يسمن ولا يغني من جوع، وأنا أنتظر أن ينطق الفم الصغير وهي مكتفية بكونها صامتة، تنظر مرتبكة، وأنا أشعر بأن صبري قد نفد، وفي الحقيقة لم أكن أنوي أن أقف هنا طويلا اليوم وأتحدث معها بلغة الأعين».وكانت لغة السرد متوازية مع الحوارات التي جاءت في سياق موضوعي عبرت من خلاله المؤلفة عن مجريات الأحداث بطرق سهلة وسلسة، وقريبة من وجدان القارئ الذي يريد التعرف على قصص استلهمتها المؤلفة من التاريخ والتراث العربي والإسلامي في قرطبة.وتقول المؤلفة في الغلاف الأخير من كتابها: «إنها ليال عربية وحكايات في الحب والكيد دارت في قرطبة المبهرة، التي نسير في طرقها وتضيئها المصابيح، وبيوتها التي احتار الخلق في كونها بيوتا جميلة أو قلاعا حصينة، من جمالها وعظم بنائها».
محليات - ثقافة
الكتاب صدر عن دار سبارك للنشر والتوزيع
قراءة / سلوى حبيب علي تسرد قصصاً عربية لـ «نساء من قرطبة»
غلاف الكتاب
12:22 ص