| عبدالعزيز عبدالله القناعي |

يواجه الإنسان عموما فقدان هويته بسبب ذلك الإعلام، الذي ينتشر في الفضاء ويوجه إلى الأرض، ليستقبله الإنسان أما لما فيه مصلحته، أو بما يوجهه من انحراف فكري وعقائدي، وحين نحاول أن نختصر أسباب ومعطيات الإعلام بشكل عام على الإنسان، ونحاول أن نسلط الضوء ولو قليلاً على ما يلاقيه أو يعتقده الإنسان العربي البسيط لنظرة الإعلام الغربي ضد ما يسميه بفقدان هويته العربية أو الإسلامية، فنرى أن ذلك الإنسان هو الذي يظلم نفسه أو يحاول أن يلقي فشله في المواجهة، أو الصراع مع الإعلام الغربي الحر، بادعاء أن ما يحاول أن يبثه الإعلام الغربي، هو زمان الحروب الصليبية والهجوم على الإسلام أو القومية العربية ومفرداتها التي لا تنتهي.ان الإعلام الغربي - ونعني به هنا الإعلام الحر - صاحب المؤسسات العاملة والتي لا ترتبط بوزارات الإعلام أو بسياسات الأحزاب والطوائف الدينية فهذه لا توجد إلا هنا بين بني يعرب ومضاربهم، فنقول إن الإعلام الغربي حقيقة ضخمة متأصلة في حياتنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، لما يمثله من نقل حقيقي، لما يحدث في الخارج وأحيانا يكون صادقا لنقله ما يحصل داخل أوطاننا إن لم نقل داخل غرف جلوسنا.إذا أين الخلل؟ ولماذا نلوم الآن الإعلام الغربي على قوته وتغلغله داخل منازلنا وحياتنا، فإذا سلمنا جدلا بأن الإعلام الغربي قبل خمسين سنة مضت كان ذا قوة محدودة في تأثيره علينا وعلى قضايانا، فكيف الحال الآن؟! وبعد ثورة التكنولوجيا ودخول عالم العولمة، إذاً فقد تفوق الإعلام الغربي على الوصول إلى أغلب عقول المشاهدين عربا وأجانب، وما صحافته والقنوات الفضائية إلا دليلاً على جبروت هذه الآلة الغربية، وقدرتها على تغيير قناعة المشاهدين وبأقل الأحوال الموافقة على الطرح، الذي يطرح من قبلهم بصورة ضمنية، ولا يملك الإنسان العربي إلا أن يعزو هذا السبب إلى أن ما يحصل هو مجرد حروب بين العرب والغرب، وهذه الجدلية أيضا تناقض نفسها، ففي دراسة بعنوان «الغزو الإعلامي والانحراف الاجتماعي» من إعداد الدكتور ياس خضير البياتي الاستاذ في كلية المعلومات والاعلام في شبكة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، يقول فيها:« إن وسائل الإعلام العربية شاركت بدور أساسي في تعميق الغزو الإعلامي الأجنبي، من خلال مدة ساعات البث للمواد الأجنبية وبروز ظاهرة البرامج الواقعية أو ما يسمى (تلفزيون الواقع) في بعض الفضائيات العربية، من دون أن تأخذ بنظر الاعتبار قيم المجتمع العربي وتقاليده وأنماطه الاجتماعية» - انتهى النص المقتبس من الدراسة - وان كنا نختلف على بعض المسميات كالغزو الثقافي، وأعتقد ان ما يحصل هو أداء قوة واقناع من قبل الاعلام الغربي، وعموما فاننا نستشف جليا من الدراسة السابقة بأن العرب والإعلام العربي هما المتواطئان والمستفيدان من هكذا طروحات غربية، بل وتسعى القنوات العربية إلى تقليد الإعلام الغربي بما يطرحه وتقوم بتعريبه إلى عموم العرب والمسلمين، وترقص بعد ذلك على جراحهم في حلقات أخرى.ان صدام الحضارات ما هو إلا نتيجة تخبط الرؤى الإعلامية العربية، وهو من افرازات ما تمليه الطائفية والحزبوية على التوجه الإعلامي إن وجد في الدول العربية، ونستثني طبعا بعض التجارب والمحطات الرائدة والتي لها موقع واحترام كبير في أذهان المشاهدين وتحترم بصورة أو بأخرى الإنسان العربي.وحين ننتقل إلى جانب آخر من صورة العربي في العقلية والإعلام الغربي، نرى واضحا بما لا يدع مجالا للشك ان الصورة الآن - وبعد أحداث سبتمبر - قد أخذت انعطافا كبيرا في شكل ومضمون الوجه العربي لدى المشاهد الأجنبي، فأصبح العربي والمسلم هو مجرد قاطع طريق وإرهابي يسعى إلى تعطيل الحضارة وإلى إيذاء أكبر عدد من الأبرياء، وقد تكون هذه الصورة مشتركة في أغلب منتجات هوليوود الإعلامية وآخرها، وأعتقد ليست بالأخيرة ما وجد من مشاهد تمثل العربي بأبشع صورة إرهابية ضد الحضارة وضد الإنسانية، وذلك في الفيلم الهوليوودي الضخم «الرجل الحديدي»، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن والعرب الذين يحاولون وقف الهجمات الإعلامية ضدهم... فأين هم الآن من هكذا انتاج؟ وبعد أن أخذت صورة الرجل العربي الإرهابي تتكاثر في المشاهد الإعلامية بشكل سيئ. أين المجالس والنقابات العربية في الخارج؟ ولماذا لا ترفع قضايا على هكذا انتاج ومنتجي أفلام؟ ولماذا يسكت العربي ويطأطأ رأسه خجلاً في صالات السينما، بمجرد أن ينعت العربي بالإرهابي وعدو الإنسانية وليس هناك من يدافع عنه أو على الأقل أن يوضح الصورة المقلوبة في هذه الأفلام، وحتما لن يفعل الإعلام الغربي هذه المهمة، بل يتركها لجهابذة الاختلاف وحب المقابلات الشخصية على حساب العمل الجاد وما يعرف بالإعلام العربي الصحيح.ان الخلل قد يكون أكبر مما نتصور، فهل الإعلام الغربي يعتبر حاليا بمثابة غزو ثقافي على دولنا العربية والإسلامية، وهل الإعلام الغربي هو الأسوأ بين الجميع؟ وبالمقابل هل الإعلام العربي، والذي يستميت تقليدا للإعلام الغربي هو الأفضل؟ وهل ما تنتجه القنوات الفضائية الكثيرة السائحة في دنيا الفضاء العربي قادرة على تغيير الصورة؟ وهل نحن العرب نغضب ونهاجم الإعلام الغربي، لمجرد أن نقل الصورة الحقيقية والواضحة عن أوطاننا، وكشف عما هو مستور وغير قابل للنقاش؟ وهل يعتبر وقتها الإعلام الغربي مجرما وعديم الفعالية وعدوا لمجرد نقل الحقيقة؟ وفي المقابل هل الإعلام العربي الغارق في مدح السلطة وقوانين الرقابة، يقول ما هو صحيح؟ وهل يجب أن نصدقه؟إذاً ما الهوية التي نريد، وكيف نسمح لأجيالينا اللاحقة أن ترى الأمور وتقيس الموازين؟ وبأي لغة ستكون حواراتنا المقبلة؟ وعلى أي قناة سوف نرى أنفسنا في المستقبل؟

جامعة كيرتن للتكنولوجيا - استرالياazizalqenaei@hotmail.com