كنت أنوي أن أتعرض في هذا المقال لأزمة الاستقالات في الإدارة المركزية للإحصاء، نظراً لأهمية تلك الإدارة في العملية التنموية، وتفاعلاً مع ما وصلني عن الحالة الإدارية فيها، وبغرض تحليل الأسئلة البرلمانية التي قدمت بذات الصدد. ولكنني وجدت أن تقييم حالة التخندق الطائفي المزمن في مجتمعنا، والمشاركة في تخفيفها أولى في هذه المرحلة الحرجة.قبل شهر تقريباً بدأت محاكمة تسعة وعشرين متهما في قضية تفجير مسجد الإمام الصادق عليه السلام، ومن بينهم سبعة كويتيين وثلاثة عشر شخصاً من المقيمين في البلاد بصورة غير قانونية وهارب واحد لم تعرف جنسيته، وبذلك يكون عدد المتهمين من سكان الكويت يتراوح بين عشرين إلى واحد عشرين شخصاً، وبعد أيام قليلة وتحديداً في 13 أغسطس 2015 أعلنت وزارة الداخلية عن ضبط أعضاء في خلية إرهابية ومصادرة كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجرات، وبعد الانتهاء من التحقيقات، أسندت النيابة العامة تهماً إلى خمسة وعشرين كويتياً وإيراني واحد، وللأسف، البعض فرز هاتين الجريمتين وفق الانتماء الطائفي لمرتكبيهما.على الرغم من أن القضيتين خطيرتان بسبب ارتباطهما بأمن الدولة، إلا أن الأشد ضرراً علينا هو تجاوزنا كمجتمع للقنوات المدنية المنظمة في مثل هكذا أزمات. فانشغالنا - بحجة الوطنية - في تحديد أيهما أكثر تهديداً لوطننا، من أجل تهويلها وتهوين الأخرى. وهذا بحد ذاته دليل قاطع على أن هناك خللاً في مفهومنا للوطنية أو أن موروثنا الثقافي الطائفي أقوى من مشاعرنا الوطنية.في قضية تفجير المسجد، هناك أمور تستحق التوقف عندها والتمعن فيها، ومن بينها أمية المجتمع الكويتي في مبادئ منظومة العدالة القائمة، حيث اعتبر المجتمع جميع المتهمين كجناة فور توجيه التهم إليهم من قبل النيابة، أي قبل صدور أحكام نهائية من القضاء، وأيضا استاء الكويتيون من المحامين الذين تم توكيلهم للدفاع عن المتهمين، وللأسف جمعية المحامين الكويتية وقفت موقف المتفرج من الأزمة المجتمعية، في نظرته لأخلاقيات مهنة المحاماة، واكتفت بتوفير الدفاع المنتدب لعدد من المتهمين استجابة لقرار المحكمة.لذلك فإن الجمعية مطالبة بتبني حملة توعوية لتصحيح المفهوم المجتمعي لدور المحامي، لكي يعي المجتمع أن توكيل محامٍ قدير حق أصيل للمتهم مثلما أن توفير طبيب كفؤ حق بدهي للمريض، أهمية هذه الحملة مضاعفة لأنها ستساهم في التصدي لحملات شق النسيج المجتمعي التي نشطت مجدداً.وعلى ضفة قضية تخزين السلاح، هناك أيضاً محطات تستحق التداول والمراجعة وخاصة ظاهرة إضفاء بعد طائفي لهذه القضية، ولا أقصد هنا جهود الأفراد والتكتلات المتهمة بالارتباط بقوى إقليمية ومحاولة الانقلاب على الحكم، بل أعني الأرضية المجتمعية التي تقبّلت التعاطي الطائفي للأحداث، وأريد الإشارة إلى تربتنا الثقافية التي أصبحت خصبة لزراعة أشجار الفتن الطائفية، تلك التربة التي اتلفتها منابع ثقافتنا المجتمعية على مر السنين بعد أن كانت عصية على بذور التطرف.نعم، تلك المنابع التي امتلكها تحالف قوى الفساد مع أحزاب الإسلام السياسي بجميع طوائفه، ذلك التحالف الذي مكن قوى الفساد من مقدراتنا الوطنية وسلم منابع ثقافتنا بيد الأحزاب الإقليمية، فتدفقت الثروات إلى جيوب سرّاق المال العام وقطعت أشجار الوطنية وزرع محلها غابات الأمم الاسلامية باختلاف عواصمها، فأصبحنا نغالي في انتمائنا إلى أمتنا على حساب ارتباطنا بوطننا.لابد أن يعي المجتمع محركات الطائفية إن أراد وأدها، فالبعد الطائفي وظف على مر السنين لإنجاح نواب ولإسقاط مرشحين، فتجد أن المواجهات تشتد بين مرشحين متنافرين في أيدلوجيتهما على الرغم من أنهما متشاركان في تبعيتهما للقطب السياسي الذي يمتثلان لأوامره، وكذلك تلاحظ وجود تنسيق واسع بين قوى معنية بالأمن وبين بعض النشطاء السياسيين والأحزاب، فيحصلون على الدعم في الانتخابات البرلمانية مقابل التزامهم بامتصاص غضب الشرائح المجتمعية، التي ينتمون إليها، في الأزمات الطائفية. فيلجأون لتسويق شعارات تتعارض مع وجود مسطرة واحدة لتطبيق القانون على الجميع، وينظمون المهرجانات لتخفيف غضب الجماهير على من تطاول عليهم، عوضاً عن الحرص على تطبيق القانون ومعالجة جذور الأزمة، لأن بقاء السلاح الطائفي أفضل ضماناً لاستمرارية مصالحهم.فما نعاني منه اليوم من التطرّف وما نخشاه من القادم على أبنائنا وأحفادنا، ليس إلا نتاجا طبيعيا لاستمرار أحزاب الإسلام السياسي في توظيف الطائفية لمصالحها على حساب الوطن، ومن أجل إصلاح ما أفسدوه، نحن بحاجة لمشروع وطني يرسخ التحضّر في مجتمعنا المتمدّن.abdnakhi@yahoo.com