| يوسف القعيد |

إذاً كانت مصر محطة الانطلاق الأساسية لمحمود درويش، ليتحول من شاعر ارتبط بالقضية الفلسطينية في البدايات فقط، إلى شاعر جماهيري، إلى شاعر النجم، خرج بالقصيدة من دوائر النخبة، وجماعات المثقفين، إلى الجماهير الواسعة والعريضة في كل مكان من الوطن العربي.ثم إن مصر كانت ختم الحصانة لكل مثقف عربي، لا بد أن يبدأ منها وأن ينطلق من أرضها، وأن ينشر في صحفها، وأن يطبع كتبه في دور نشرها، ليحصل على الاعترافين العربي، ثم العالمي به، عمل محمود درويش كاتباً في مجلة المصور، استكتبه فيها أحمد بهاء الدين.وإن أسعـــفتني الـــذاكرة، فربما كان مقـــاله الأول فــي المـــصور: هل تسمحـــون لي بالزواج؟ وهذا المقـــال منشـــور في المـــصور، في عـــدد 9 أبريل ســـنة 1971، وفي الـــعدد نفـــسه. نشر أن محمود درويش انضم إلى أسرة المصور، ليساهم بقلمه وكلمته في معرفة النضال الدائب لتـــحرير الأرض واسترداد الوطن، علاقة بهاء بمحمود، تعدت استكتابه في المصور.فقد سكن محمود درويش أول ما سكن، في شقة كان يمتلكها أحمد بهاء الدين، في ميدان سفير بالدقي، وأصبحت هناك صداقة عائلية بين محمود وعائلة بهاء، والمعروف عن بهاء إنسانيته الفـــياضة، خصوصاً مع كل من التقى به وتعامل معه، وبهاء كان من الكتاب المصريين القلائل، الذين اهتموا بالقضية الفلسطينية، وكتبوا عنها، وهو صاحب أول كتاب في التاريخ، يطرح فكرة إقامة دولة فلسطينية، ومجموعة المقالات التي دارت حول هذه القضية، نشرتها دار الآداب في بيروت، ولم ينشر هذا الكتاب في مصر حتى الآن، ترك بهاء دار الهلال، ضمن فصول قصة لا أريد أن تأخذني عما أنا بصـــدده، وترك محـــمود درويش دار الـــهلال بعد ذلك.ذهب محمود درويش إلى أهرام هيكل، وأصبح كاتباً فيه، وأصبح يجلس في مكتب يشاركه فيه نجيب محفوظ، ولويس عوض، وبنت الشاطئ، وعبد الرحمن الشرقاوي، كان نجيب محفوظ يحضر يوماً واحداً في الأسبوع، هو يوم الخميس، لكن العلاقة بين محمود درويش ونجيب محفوظ امتدت إلى شلة الحرافيش، كانوا يلتقون في منزل محمد عفيفي في شارع الهرم، أخذه معه للمرة الاولى أحمد بهاء الدين، ثم بدأ يتردد على المكان بمفرده.وربما كان محمود درويش هو العربي الوحيد الذي أصبح «حرفوشاً» من حرافيش نجيب محفوظ في وقت مبكر، وقد حافظ محمود درويش على علاقته بنجيب محفوظ، حتى زيارته الأخيرة لمصر، سنة 2007 لحضور مهرجان الشعر المصري في دورته الأولى، كان يأتي إلينا في فرح بوت، مركب راسية على النيل، بعد أن يكون قد مضى وقت من جلستنا، ويستمر معنا حتى النهاية، ويتناول معنا العشاء البسيط، الذي اختاره نجيب محفوظ بنفسه: طعمية وبصارة، وجرجير أخضر وطماطم لونها أحمر، وجبنة بيضاء، وزيتون مخلل، كان يقول إن هذا الطعام البسيط، يذكرني بخبز أمي، وطعام أمي، وبيت أمي.ثم ترك محمود درويش مصر في ظروف لم أعرفها في حينه، هل كان ذلك قبل التحول المصري الكبير ورحلة الرئيس السادات إلى القدس؟ أم أن تركه مصر لا علاقة له بذلك التحول؟ المهم أنه ذهب إلى تونس وبيروت وباريس وعمان بالأردن، لكنه في رحلة الحل والترحال هذه، كان دائم التردد على القاهرة، حتى عندما يكون مســـافراً في طريق يمر بالـــقرب من القاهرة، كان يحرص على أن يـــنزل ترانــــزيت في القاهرة يوماً أو يومين، ليلة أو ليلـــتين، يقابل الأصدقاء ويلقي تحيـــته على النـــيل، ويحاول رؤية أيام القاهرة التي لا يشبه أي يوم منها اليوم الآخر، ويشم رائحة الخبز الطازج الخارج من الأفران، في شوارع القاهرة المزدحمة.كان يذهب بنفسه إلى مطاعم الفول والطعمية، ليأكل هذه الأكلة السحرية، التي لا توجد إلا في مصر، وفي السنوات الأخيرة، أعفاه من هذه الرحلة أن فنادق الخمس نجوم، حيث كان ينزل، أصبح في كل منها جزء خاص يقدم الفول والطعمية للسياح، كان يجلس وسطهم متأففاً حزيناً، من أجل أن يحقق حلماً أصيلاً بداخله للقاء مع فول مصر وطعميتها، تنقل بين أكثر من شقة، وقد فوجئت به ذات مرة، في تسعينات القرن الماضي وهو في القاهرة، يقول لي هل تصدق أين أقيم؟ أين أنام؟ أين أكتب؟ إنني أنام على سرير توفيق الحكيم وأكتب على مكتبه، وكانت أسرة توفيق الحكيم – أو من بقي منها – بعد رحيله سنة 1987 قد بدأت تؤجر شقته للسياح العرب، وكان من ضمنهم محمود درويش، الذي كان يحب الإقامة على النيل، كان يحب الإقامة في أي مكان قاهري يرى منه النيل، وأعتقد أن حبه للنيل يفوق حب المصريين له.قال محمود درويش، إذا كان لي من صفات أتباهى بها، ومن تهم لا أنفيها، فهي إفراطي في حب مصر، التي أكلت فيها خبزي العربي الأول، وشربت من مائها ما يكفيني لمواصلة الرحلة، إلى أبعد الأحلام.وهو أيضاً القائل: مصر هي قلبنا المشترك، أيضاً فإن درويش لم يكتف بالحياة في مصر، والكتابة عنها، فإن كان قد تزوج مرتين في حياته، فإن زوجته الأولى، الدكتورة رنا قباني، وزوجته الثانية حياة الحيني، ابنة اللواء عصام الحيني، وكيل أول وزارة الثقافة المصرية، وقد رأيتها مرة واحدة، وهي فتاة هيفاء، بمعنى طويلة، فيها سمار المصريين، ولأهل مصر تعبير أن السمار نصف الحلاوة، وإن كان محمود درويش لم يعمر كثيراً كزوج، فقد انتهى زواجه الأول بالطلاق، وانتهى زواجه الثاني بالطلاق.لكن هل لاحظت أنه جـــمع في الزواجين بين مصر وسورية، حلم الوحـــدة العربـــية الأول والأخــير، في قرننا العشرين، بعدها لم يقدم محـــمود درويش على فكرة الزواج، لأسباب وجودية فكرية، خاصة بالأبناء وتربيتــهم في المنافي والشتات، وفي ظل حالة عدم الاستقرار التي عاش فيها طوال حياته.حصل محمود درويش على جائزة ملتقى الشعر العربي الأول، الذي عقد في القاهرة، وثار لغط شديد حول الجائزة، وقيل كلام لا مبرر له، من أن الجائزة أوشكت أن تذهب لسعد يوسف، أو لأدونيس، وقد تألم محمود درويش كثيراً، بسبب الهجوم الذي ناله بعد هذه الجائزة، وقال لي إن من هاجموا حصولي على الجائزة، إنما يهاجمون مصر، ولا يدركون قيمة مصر، ولا يعرفون دور مصر، وقال إنها الجائزة الأهم في حياته، لأنها آتية من مصر.