الولايات المتحدة أمدت اسرائيل في «حرب يوم الغفران»، في سياق ما أرسلته، بسراويل داخلية. هذا الامداد العاجل انطوى على شيء من السخرية لأنه كان معاكساً تماما للقيمة العليا التي تكرست هنا طوال خمسة عشر عاما قبل ذلك، وتجسدت من خلال قصيدة حاييم حيفر «المدافع بدلا من الجرابات». حيفر وضع في ضم جوقة شبيبة الناحال المقاتلة هذه السطور التي عبرت بين التضامن والانتقاد عن جاهزية الجندي للتنازل عن ملابسه لصالح دبابة أخرى ومدفع آخر.
/>وجاءت الحرب لتبرهن عن أن الدولة لم تفعل هذا ولا ذاك: لم تشتر المعدات العسكرية المطلوبة، ولم تحرص على توفير مخزون كاف من الملابس الداخلية البيضاء.
/>منذ أن تداعت الادارة الأميركية لانقاذ اسرائيل من ضائقتها الكبرى في اكتوبر 1973 من خلال الجسر الجوي العاجل الذي أمد الجيش الاسرائيلي بطائرات الفانتوم من الملابس الداخلية، أصبحت بين الدولتين علاقة السيد - الزبون، والتي لم تتجسد بصورة واضحة خلال أعوام حكم جورج بوش الثمانية.
/>بالأمس زارتنا كونداليزا رايس ومارست مرة أخرى طقوس عبادة اللقاءات مع القادة الاسرائيليين والفلسطينيين، اطلالة للوراء على فترة رئاسة جورج بوش تقودك بالضرورة الى الاستنتاج بأنه رغم نواياه الصادقة بدفع الحوار الاسرائيلي - الفلسطيني قد فشل في مسعاه: بين يناير 2001 وأواخر 2008 مر الصراع بعدد غير قليل من التقلبات الا أن الاسهام الأميركي في تسويته كان ضئيلاً في الواقع. قوة الدولة الأعظم على المساومة أمام الاسرائيليين والفلسطينيين لم تستخدم بذكاء وفطنة.
/>هناك ايديولوجيا من وراء هذا السلوك: الادارة الأميركية تعتقد أن مهمتها تشجيع اسرائيل والسلطة الفلسطينية على التوصل لاتفاق والمساعدة في توفير الشروط لاحداث الانعطافة. الا أنها لا تؤمن بالاكراه وفرض موقفها على الطرفين.
/>هذا نهج حضاري متنور ومريح للسامعين الا أن ذلك يعتبر نزعة تطهرية في الغابة الشرق أوسطية في العهد الذي تحتاج فيه اسرائيل لـ «اف. بي. اي» حتى يقول بتفتيت واكتشاف منظمات الجريمة فيها يمكن للادارة الأميركية أن تجسد لها وللفلسطينيين بقوة أكبر مدى اعتمادهم عليها وتعلقهم فيها، حتى تهزهم وتخرجهم من جمودية الوضع القائم التي يغرقون فيها.
/>بوش رسم في بداية عهده مساراً لحل الصراع: مفاوضات نحو التسوية الدائمة على أساس دولة فلسطينية ضمن حدود موقتة بعد أشهر قلائل غير بوش رأيه وطرح «خريطة الطريق» التي اقترحت في الواقع صيغة معاكسه للحل: التوجه نحو التسوية الدائمة خلال ثلاثة أعوام. بعد ذلك على الفور اندلعت الحرب في العراق وكان جل اهتمام الادارة الأميركية مكرسا للخلاص من المستنقع العراقي. العملية الاسرائيلية - الفلسطينية أصبحت في المرتبة الثانية فقط منذ ذلك الحين في جدول اهتمامات الرئيس.
/>هذا كان الاخفاق الاكبر لجورج بوش: ثمانية أعوام هي فترة زمنية طويلة لدرجة تكفي لقيام الدولة الأعظم حتى وان كانت مشغولة في ساحات أخرى بخطوات حقيقية لحل الصراع الاسرائيلي - الفلسطيني، الذي تعتقد واشنطن نفسها أنه بؤرة ومصدر الاضطرابات الاقليمية ان لم نقل العالمية. هذه المهمة لم تنفذ: الولايات المتحدة سمحت لاسرائيل والفلسطينيين بمواصلة صراعهم الدموي رغم أنهم يتشوقون لتدخلها (كما تشير استطلاعات الرأي في الجانب الاسرائيلي على الأقل).
/>من الممكن الادعاء أن هذا الوصف مضلل: الدليل هو أن ادارة بوش لم تسمح لاسرائيل بالتملص من المصادقة على «خريطة الطريق» التي لم ترق لها، والدليل الآخر أن بوش مد لاسرائيل جزرة على صورة رسالة حتى يشجعها على تنفيذ خطة فك الارتباط. مغزى تلك الرسالة كان رسم الحدود الدائمة سيتأثر من وجود الكتل الاستيطانية وأن عودة اللاجئين الفلسطينيين لاسرائيل لن تكون ممكنة؛ والدليل الآخر كذلك أن ادارة بوش قد نجحت في اجبار اسرائيل على قبول تنظيم انتخابات حرة في المناطق الأمر الذي أوصل «حماس» الى الحكم، وأخيراً هناك دليل مفاده أن ادارة بوش قد حركت «عملية انابوليس» التي بحثت خلالها عناصر التسوية الدائمة المحتملة. من الممكن الادعاء أيضا أن التطورات التي لم يكن للولايات المتحدة ولاسرائيل سيطرة عليها بلورة الواقع بدرجة غير قليلة.
/>هناك حقيقة في هذه الادعاءات، ولكنها لا تقلل من وزن الحقيقة الحاسمة بأن اسرائيل ترفض التنازل عن سيطرتها على الضفة. يشتق من هذا الأمر بدرجة كبيرة الوضع الحالي الذي يمر فيه الصراع. التجسيد الأبرز على ذلك جاءنا في هذا الاسبوع: وفقا لتقرير «السلام الآن» تمت مضاعفة عملية البناء في المستوطنات خلال الأشهر الخمسة الأولى من هذا العام بالمقارنة مع الفترة الموازية للعام الماضي. ادارة بوش ليست معفية من المسؤولية عن ذلك.
/>عوزي بنزيمان
/>«هآرتس»
/>