تولد الكائنات الحية جميعها وهي تحقق ماهيتها منذ ولادتها. إلا الإنسان فيولد وهو مهيئ كي يكون إنساناً لكنه ربما يصبح أي شيء آخر، وفي هذه الرحلة الصعبة نحو تحقيق الذات الإنسانية، هناك محطات تساعده على ذلك مثل محطة الدين، العلم أو العلاج النفسي. فالعلاج النفسي لا يهدف فقط إلى تخلص الفرد من الأمراض النفسية كما لا يسعى كي يعيش الإنسان في حالة من السرور الدائم والتخدير المسلي بل يهدف إلى معالجة سلوكياته ومشاعره غير السوية ومساعدته لينمو ويحقق إنسانيته.رحلة العلاج النفسي فيها الكثير من الألم والجهد المستمر وتمارين يومية يصاحبها إصرار وإرادة على ركوب قطار التغيير. المحطة الأولى في هذه الرحلة هي معرفة الشخص أنه مسؤول عن أعماله وحياته وحتى مشاعره وأن التغيير يبدأ منه كما قال تعالى:«إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» (الرعد11).إذاً الإنسان مسؤول ويجب أن «يتغير» إلى الأفضل حتى يتغير مجتمعه. لكن ماذا يحصل في مجتمعنا؟!بعد أن بدأ مجتمعنا يتحضر وعلم أن لعلاج مشاكله هناك طرقٌ أخرى غير السحر وتفسير الأحلام و... للأسف جاء المستغلون وأدخلوه في متاهة أخرى وسبات كسابقتها لكن بأسماء متحضرة تواكب الموضة مثل العلاج بالتنويم المغناطيسي و... غيرها من أمور تخديرية. والجميل في ذلك أن الذين عرفهم الناس كمعالجين معظمهم ليسوا متخصصين في الطب النفسي أو علم النفس فقط لديهم شهادة «مدرب معتمد في...».وهكذا عاد الناس ليدفعوا مبالغ باهظة لأشخاص غير متخصصين يُدخلونهم في سبات عميق يشعرون بها فعلاً بالراحة والسرور والرضا، وربما يستمرون بها طوال حياتهم لكنهم سيبقون في حالة تخدير وسُكر وجهل.للأسف السبات يغلب على مجتمعنا والركب يمشي، وكلما أراد أن يفيق يخترعون له منومات عميقة يرجعونه إلى ما كان عليه، والدليل على سباتنا أننا نراجع مفسِّر الأحلام أكثر من المعالج النفسي!!ولما للعلاج النفسي من وصمة عار للأسف بسبب نقصان معرفة الناس به فقد أصبح الجانب المقابل له أي الجانب التجاري أكثر رونقاً وإقبالاً، فهناك من يذهب لعلاج اضطراباته النفسية إلى مدرب في الطاقة ولا يشعر بأي حرج في التصريح بذلك بل يشعر أن ذلك مدعاة للتفاخر لأنه يماشي التحضُّر في العصر الجديد، لكن إذا ذهب إلى المعالج النفسي فيجب أن يكون بتكتم مبالغ فيه حتى لا يتهمه الناس بأنه مجنون!ونحن هنا لسنا بصدد إثبات أو نفي التنويم المغناطيسي أو علم الطاقة أو الجرافولوجي وإلى آخره من أسماء جديدة تظهر كل يوم في الساحة فذلك له مجال آخر، بل ننادي بلزوم النهوض من السبات العميق والبحث عن طرق علمية نعالج بها مشاكلنا اليومية والمتكاثرة بسبب ما نواجهه من أمور تخص عصرنا دون العصور الأخرى. فنحن نحتاج إلى الصحوة المغناطيسية أكثر من التنويم المغناطيسي.Email:mosawi.75@gmail.comInstagram: @psychologistq8