بداهة، الإنسان يحوي في دخائله أوصولا وقابليات لمختلف النوازع والملكات بخيرها وشرها، ولم تكن يد السماء زرعتها فيه تعسفاً واعتباطا، بل لها شؤونها واغراضها وطرائقها وبينها يتم الترجيح والاختيار وعلى أساسه يكرم الانسان أو يحتقر.فمنبع أصول وملكات الخير والحق والجمال هو حزمة من نور ومنبع اصول وملكات الشر والجور القبح هو حزمة من ظلمة. ومن النور «العطاء والحرية والسلام» ومن الظلمة «المكر والاستبداد والحروب»، وبتغليب النور على الظلمة تتحقق آدمية الإنسان وتتقدم في كدحه الدائم نحو التكامل والكمال، فالإنسان إذاً هو حفنة من الملكات أو أصولها، ولكل ملكة أغراضها وطبيعتها وميدانها فملكة الشجاعة لها ميدانها الذي تتجسد فيه، ولا شجاعة في سحق الضعيف وسلب حقوقه وترويعه، بل هي أدنى مراتب الجبن والنذالة والنزق، وملكة العلم لها ميدانها وأغراضها، ولا علم في سحق الشعوب وإذلالها وابتزاز مواردها وخيراتها بينما اصحابها يعيشون حياة الفقر والقمع والقهر، بل هو علم قذفته المصادفة والظروف في نفوس مهترئة وضمائر منسحقة، وأرواح ممسوخة ارتدت صورة الآدمي وسيماءه، وافراغ كل ملكة من موضعها على نحو لا ينعكس على محو ملكة أو احلال احداها مكان الاخرى، وتتفاوت الملكات والاستعدادات لدى الانسان قوة وضعفا، وشدة وتراخيا، فاذا طغت الشجاعة «مثلا» على سائر الملكات فهو إلى الشجاعة أقرب وبها يمتاز ويعرف، وان طغت ملكة العدوان فهو إليها أقرب وبها أشهر وهكذا.وبعد هذا التمهيد يقول بونابرت عن الحروب انها عمل وحشي وهي كذلك ولا ريب مع علمنا ان هذا  الرجل لا يخلو من القسوة والغلظة ومن المعلوم ان بونابرت كان قطعة من الجريمة والشر، ومع كل هذا أدرك هذه الأمور بجلاء، وقال مونتسكيو صاحب روح القوانين «ان خراب اوروبا انما يكون على أيدي قوادها في الحروب»، فالحروب ليست إلا افراغ الطاقات العدوانية التي تمتاز بها المجتمعات والدول، وأحاد الناس التي تكمن في أعمق حشايا النفس البشرية، ويذهب البعض الى ان الحروب ستتعطل ويعم السلام ارجاء العالم لأن الانسان يسير الى التمدن وعلى منهاج التربية وأوصولها التي ترمي الى تهذيب الشعور وتعميق الحس أو تنقية الاخلاق والعمل بالقوانين الدولية التي وضعها أصحابها لمصلحة الانسانية وسعادتها وبتطبيقها ترتفع الحروب وتحلق حمائم السلام، ولنا عودة في المقال المقبل.

علي غلوم محمدكاتب كويتي