كانت زيارة الملك الأردني عبدالله الثاني لبغداد، وهي الأولى لزعيم عربي للعاصمة العراقية منذ سقوط النظام العائلي - البعثي غير المأسوف عليه في العام 2003، تعبيراً عن شجاعة لا تتوافر سوى لدى قليلين من جهة، فضلاً عن أنها دليل على وجود قدرة لدى بعض العرب على استشفاف التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة من جهة أخرى. إنها تعكس الحاجة إلى عمل عربي دؤوب ومستمر في شأن كل ما له علاقة بالعراق. ثمة حاجة إلى جهد حقيقي من أجل الابتعاد عن كل ما من شأنه إضاعة الهدف المتمثل في المحافظة على وحدة العراق وموقعه في إطار المنظومة الإقليمية من دون السقوط في فخ الشعارات الفارغة التي تتحدث عن «عروبة العراق ودوره في التصدي لأعداء الأمة العربية» وما شابه ذلك من كلام فارغ. هذا لا يعني في أي شكل التغاضي عن الواقع الناجم عن التطورات التي حصلت في الأعوام الأخيرة ورفض التعاطي معه بمقدار ما أنه يعني ضرورة التصرف على نحو عملي انطلاقاً من المعطيات المتوافرة. إنها معطيات لا يمكن التملص منها أو التظاهر بأنها غير موجودة والسعي إلى تجاوزها عن طريق إطلاق الشعارات الجوفاء تحت ستار الممانعة ومحاربة المشروع الأميركي في المنطقة على سبيل المثال وليس الحصر.تشير المعطيات المتوافرة إلى أن هناك تحسناً ملموساً على أرض الواقع في العراق. هذا على الصعيد الأمني. كم سيطول ذلك؟ هذا ليس أمراً معروفاً، لكن الثابت أن تغييراً حقيقياً طرأ على الوضع. وتشير المعطيات أيضاً إلى تحسن على الصعيد السياسي تقف خلفه حكومة السيد نوري المالكي الذي يبدو، أقله ظاهراً، أنه بدأ يستوعب معنى أن يكون العراق بلداً مستقلاً عن إيران، بلداً على علاقة جيدة بالعرب المعتدلين عموماً، وأن يبحث عن حد أدنى من التماسك بين كل فئات المجتمع بغض النظر عن المذهب والقومية. هل ينجح في ذلك؟ هل هو الشخص المؤهل لذلك؟ بغض النظر عن الجواب عن السؤالين وتاريخ المالكي، المنتمي إلى حزب مذهبي، لابدّ من ملاحظة أن هناك تحولاً في الموقف الشيعي العراقي عموماً، وأن من راهن على أن الشيعة في العراق عراقيون وعرب أولاً كان محقاً إلى حد كبير.هل لا يزال العراق مهدداً بالتقسيم؟ هل أمكن وأد الفتنة المذهبية بشكل نهائي؟ هل بات في استطاعة كل عراقي العودة إلى بيته في بغداد وغير بغداد؟ هل يمكن إيجاد حل لمشكلة كركوك بما يطمئن الأكراد والسلطة المركزية في العاصمة في آن؟ هل انتهى العراق من الميليشيات المذهبية وإرهاب «القاعدة»؟ هل صارت المعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة في متناول اليد؟ من يطرح مثل هذه الأسئلة ويتمعن بها جيداً يمكن أن يشعر بالعجز والإحباط، نظراً إلى حجم التحديات التي تواجه العراقيين خصوصاً والعرب عموماً. في المقابل، من ينظر بتمعن إلى مجريات الأحداث يكتشف أن هناك مجالاً لتحرك عربي جدي يستهدف مساعدة العراق في مواجهة التحديات، بعيداً عن الأوهام من أي نوع كان. وبين الأوهام التي تراود بعض المرضى عودة العراق إلى سياسات كانت سائدة عندما كان صدّام حسين في السلطة يزايد على هذا الجانب العربي أو غير العربي أو ذاك في الوطنية. هناك الآن عراق جديد بحسناته وسيئاته. هناك عراق يتشكل في ضوء المغامرة الأميركية التي بدأت في العام 2003 والتي لا يزال من المبكر التكهن بما ستنتهي إليه. الأمر الوحيد الثابت أن في استطاعة العرب الرهان على العودة إلى العراق وعودة العراق إليهم بدلاً من البقاء بعيدين عنه.ليس سراً أن الوجود العربي في العراق كان مستهدفاً. في مرحلة معينة تعرضت كل السفارات العربية في بغداد إلى اعتداءات. السفارة الأردنية فجرت، وخطف ديبلوماسيون عرب بهدف توجيه رسالة فحواها أن على البعثات العربية، على رأسها البعثة المصرية، إغلاق أبوابها. كان مطلوباً بكل وضوح أن تكون بغداد مدينة مغلقة في وجه الوجود العربي. أخذ الأردن المبادرة مع آخرين على رأسهم دولة الإمارات العربية المتحدة التي أوفدت وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد إلى بغداد واستقبلت بعد ذلك رئيس الوزراء العراقي في أبو ظبي. الكويت عيّنت سفيراً في بغداد، كذلك البحرين. وكانت المفاجأة الكبرى توجه زعيم الأكثرية النيابية في لبنان النائب سعد الحريري إلى بغداد والنجف. المهم أن هناك تحركاً عربياً في اتجاه بغداد. توجه العاهل الأردني بزيارته العاصمة العراقية متحدياً المخاطر الأمنية. قبل ذلك، شارك الأردن بطريقة فعالة، وليس بمجرد الكلام، في عملية تخليص العراق من الإرهاب. ساهم في العملية التي أدت إلى الانتهاء من رمز إرهابي هو أبو مصعب الزرقاوي. ودفع الأردن غالياً ثمن تصديه للإرهاب والإرهابيين عندما حصلت التفجيرات في فنادق عمان قبل ما يزيد على عامين. هل من يريد أن يتذكّر ذلك؟ليس كافياً الوقوف موقف المتفرج حيال ما يدور في العراق. الزلزال العراقي لم ينته بعد. لا بد من مضي سنوات قبل معرفة المدى الذي ستبلغه تداعياته. في مرحلة معينة، تحدث الملك عبدالله الثاني عن «الهلال الشيعي». لم يفهم كثيرون معنى كلامه. لم يكن للكلام طابع مذهبي بمقدار ما أنه كان كلاماً سياسياً بامتياز القصد منه التحذير من مخطط معين يستهدف العراق والمنطقة. ساهم كلام الملك الشاب في توضيح الصورة وأثبتت الأحداث أنه كان محقاً وبعيد النظر في إطلاق التحذير في تاريخ معين وفي ظل ظروف معينة. سيتوجب على العراقيين من سنّة وشيعة وأكراد وتركمان شكر العاهل الأردني يوماً على إطلاقه تحذيره الذي كان ينم عن حرص على العراق وعلى الأردن في آن. كذلك ينم التحذير عن اهتمام بالمحافظة على توازن لا بد منه في الشرق الأوسط، كي يبقى الاهتمام منصباً على القضية الفلسطينية. مثل هذا التوازن أكثر من ضروري كي لا ينتقل التركيز من القضية الفلسطينية إلى حال اللااستقرار التي تحاول إيران إيجادها في المنطقة عبر تحويل نفسها إلى القطب الآخر المواجه للقطب الإسرائيلي والمتصدي له بالشعارات... على حساب الدول العربية ووحدة أراضيها.بغداد تستأهل زيارة، رغم الأخطار الأمنية التي تحيق بها. الرهان على العراق في محله بغض النظر عما إذا كان الوضع في البلد سيستمر في التحسن أم لا. المؤسف أن لا وجود لخيارات عربية أخرى في الوقت الراهن إلا إذا كان المطلوب الاتكال على النيات الحسنة لإيران. لو كان هناك ولو حد أدنى من حسن النية لدى طهران، لكان الكلام عن الجزر الإماراتية المحتلة منذ أيام الشاه كلاماً من نوع آخر! خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن