عظَّم الله لكم الأجر يا أهل الكويت باستشهاد المصلين في الجمعة، أفضل أيام الاسبوع، الذين استهدفوا غدراً وهم صائمون ساجدون لله، في بيت من بيوت الله، وباتجاه القبلة التي حددها الله. حينها، كل من كان في المسجد كان ساجداً إلا من كبر ثلاثاً ثم انتهك حرمة المساجد والساجدين.مرة أخرى أثبت الكويتيون بأنهم صخرة أمام من يغزو وطنهم. فقد تسابق السني مع الشيعي للتبرع بالدم لمصلحة ضحايا الجريمة الداعشية، وتنافس البدوي مع الحضري في إسعاف الجرحى في موقع التفجير وأجنحة المستشفيات. رسائل التعزية والمواساة تبادلت بين الجميع، مواطنين ومقيمين. حضور فسيفسائي كثيف في المقبرة، ومشاركة جمعت ألوان الطيف الاجتماعي في طابور طويل جداً للعزاء. عائلات كريمة من جميع مشارب المجتمع ألغت مناسباتها المحددة مسبقاً، تضامناً مع ضحايا العدوان الوحشي.هذه الانتفاضة الوطنية ألهمت الصبر والسلوان لقلوب الضحايا وأسرهم. لأنهم علموا أن دماءهم الزكية النقية لم تذهب سدى، بل امتزجت بتراب الوطن في أطهر بقعه، فتزاحمنا نحن الكويتيين في ترميم سورنا المجتمعي بذلك الطين وتجاوزنا مرحلة الصدمة واستوعبنا أسباب انتهاكهم لحرمة الشهر والإنسان والوطن. خلال نصف ساعة من الجريمة، حضر صاحب سمو الأمير شخصياً إلى الجامع ليمسح غبار الغدر من على وجوه الضحايا فينظر إلى أثر السجود على جباههم، معلناً بذلك بأن الدولة بأركانها ستتصدى لداعش وستدحرهم.لا شك بأن جريمة تفجير مسجد الامام الصادق (عليه السلام) بمثابة إعلان درجة جديدة من الإرهاب الداعشي ضد الكويت. ظروفنا تتطلب تغليب العقل على العاطفة، وتستوجب تعزيز التلاحم والتراحم لنكون شعباً بل أسرة واحدة لا يمكن تفكيكها. المرحلة التي نمر بها اليوم حساسة لأن شرعيتنا هي المستهدفة كما استهدفت إبان الغزو البعثي. ولذلك أناشد الدولة تنظيم مؤتمر شعبي كويتي مناظر للذي عقد في العام 1990 في جدة.مؤتمراً للمصارحة والمكاشفة لمعرفة أسباب تغلغل الطائفية والتطرف إلى مجتمعنا خلال العقود الماضية، بدرجة شجعت «داعش» على استهداف مساجدنا. مؤتمر يستثمر تنامي لحمتنا بعيد التفجير، لضمان استدامتها، وإلا ستعود «حليمة لعادتها القديمة». مؤتمر لتدعيم الالتفاف حول قيادتنا ونظامنا الدستوري، يدعى له الدكتور أحمد الخطيب ومن في حكمه من حماة الحقوق والحريات، ويمنع من المشاركة فيه كل من ساهم في خلق البيئة التي جذبت الإرهاب إلينا، لذلك يجب ألا توجه دعوات للحضور إلى الشخصيات التي حرضت على كراهية الآخر، كما يجب أن يحرم من المشاركة كل من دعا بتهور لعدم تفعيل القانون، على الطائفيين الذين تطاولوا مراراً على المساجد أو على التكفيريين الذين حضوا الشباب على الاستمتاع بنحر الأطفال والمدنيين وإن كانوا ساجدين.المحاور الرئيسة للمؤتمر يفترض أن تتضمن تقييماً دقيقاً لدور حكوماتنا السابقة في خلق الاحتقان الطائفي، وتقويماً مباشراً لآداء الحكومة الحالية. فالحكومات السابقة مسؤولة عن مناهج الدراسة وبرامج الإعلام وخطب دور العبادة، التي تضمنت بدرجات متفاوتة ما يبيح دم رواد المسجد الذي استهدفه الانتحاري، وينبغي أيضا تخصيص محور آخر لتمحيص مواقف مجالس الأمة السابقة والحالية، فهي أيضا شريكة في المسؤولية لأنها تقاعست عن تقويم الوزارات المعنية بملف التطرف، إن لم يكن قد ساهم بعض أعضائها في انحراف الحكومة والبرلمان عن رسالاتهما الدستورية، ومن جانب آخر، هناك ضرورة لمحاسبة التيارات السياسية وهيئات المجتمع المدني، وفق محورين رئيسيين: الأول لمعرفة أن كانت للتيارات والهيئات انشطة غذت التعصب الديني أو التطرف السياسي المقنع بالدين، والثاني للإطلاع على جهودها في منع انزلاق المجتمع نحو المستنقعات الإقليمية.الأوضاع لا تحتمل المزيد من التسويف، ولابد أن نسارع في إصلاح ما أفسدته بعض التيارات وسرّاق المال العام، الذين مازالوا يوظفون خدعة التسويف في التصدي للتطرف، دون مراعاة للأبرياء الذين سالت دماؤهم ولا للأسر التي فجعت بفقد أعزائهم. يجب أن تباشر الدولة مشروعا وطنياً شاملاً للإصلاح بعيد المدى ولكنه مليء بالأهداف المنظورة، ومن بينها تصحيح مفهومنا عن دين الدولة.إذا أردنا حقاً أن نهزم الدواعش، فعلينا أن نتبنى فوراً مشروعاً متكاملاً لتنقيح مفهومنا عن المادة الثانية من الدستور، التي تنص على أن دين الدولة الإسلام. المستجدات الإقليمية والوقائع الدولية والعديد من المواد الدستورية، جميعها تستلزم أن يكون المقصود بالإسلام هو دين الوسطية. هو الدين الذي يسمح بحرية الاعتقاد ويلزم الدولة بحماية حرية القيام بشعائر الأديان طبقاً للعادات والنظام العام والآداب. هي الوسطية التي تحترم الاختلاف الديني والمذهبي وتجرم التمييز بينهما. هي الوسطية التي تسمح للمواطنين المسيحيين ببناء كنائس لهم، تطبيقا لمبدأ المساواة بين أطياف المجتمع.. فهو دين دولة لا أفراد.abdnakhi@yahoo.com
مقالات
رؤية ورأي
دين دولة لا أفراد
02:41 م