وفق آخر تقريرين سنويين أصدرهما البنك الدولي، احتلت الكويت المركز الحادي عشر ضمن الدول الأغنى في العالم، بناء على معيار نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي (بالأسعار الجارية للدولار الأميركي). لذلك من واجب الحكومة والبرلمان أن يوفرا لنا - نحن المواطنين - درجة عالية من الرفاهية تتناسب مع موقعنا المتقدم بين الشعوب الثرية. ولكن الواقع هو أن الكويت حصلت على الترتيب 36 في تقرير مؤشر الرفاهية الدولي للعام 2014 الصادر من معهد ليجاتوم (Legatum Institute). بل إن أزمتنا أكبر من فشلنا في تحقيق الرفاهية الملائمة لثروتنا النسبية. لأن مساعينا لتنمية رفاهيتنا أنجزت، وما زالت تنفذ، على حساب أجيالنا القادمة. ومن بين ابرز الاسباب وراء هذا التعارض، بين رفاهيتنا ورفاهية الاجيال القادمة، هو عدم التزامنا بالمنهجية العلمية في تطوير رفاهيتنا.من أوضح صور أزمة الرفاهية المحلية، هي الدعم الحكومي لاستهلاك الكهرباء. نعلم جيدا بأن المصروفات التشغيلية لمحطات القوى الكهربائية وتقطير المياه تستنزف المليارات من الميزانية العامة للدولة، وتكلفتها السنوية مرتبطة بشكل أساسي بأسعار النفط والغاز. فقد بلغت المصروفات 2.8 مليار دينار في الحساب الختامي لوزارة الكهرباء والماء عن العام المالي 2012 /2013. ولكن المستهلك في معظم القطاعات بالكويت لا يدفع سوى فلسين عن كل كيلوواط - ساعة من الكهرباء، وهو ما يقارب 5 في المئة فقط من التكلفة الفعلية للدورة الكاملة للكهرباء من الانتاج إلى الاستهلاك.المشكلة ليست في تكلفة الدعم الحكومي لاستهلاك الكهرباء، بالرغم من نسبتها العالية بين مصروفات الدولة في موازنتها العامة، بل في كونها هدرا ممكن تجنبه وإضافته إلى احتياطي الأجيال القادمة أو استثماره في تعزيز رفاهيتنا في مجالات حياتية أخرى. لذلك يفترض أن يكون ترشيد استهلاك الكهرباء مطلبا وطنيا، بل ضرورة وطنية إذا شملنا الايجابيات الاخرى للترشيد، كخفض انبعاث الغازات الدفيئة وتخفيف أضرارها على البيئة وتقليل سلبياتها على صحة الانسان وباقي الكائنات الحية. لذلك تجد أن الترشيد والرفاهية متوافقان في الدول الأكثر ازدهارا في العالم.خبراء حفظ الطاقة في المباني مجمعون على أن سعر الكهرباء من أكبر عوائق الترشيد، إن لم يكن الأكبر، في الكويت. معظم خيارات الترشيد التي أثبتت فاعليتها في الدول الأخرى، تعتبر غير مجدية اقتصاديا في الكويت نظرا للانخفاض الشديد في تعرفة الكهرباء. لذلك يطالب المختصون بتطوير منظومة احتساب وتحصيل تكلفة استهلاك الكهرباء من دون الاضرار برفاهية المستهلك. وهذا قابل للتحقيق فعلا، وليس من قبيل الخدع السياسية عند اقرار قوانين ظاهرها الرفاه وباطنها الرفات.من بين المقترحات المتفق عليها بين أهل الاختصاص، المطالبة بتحويل المليارات التي تنفقها الدولة في دعم استهلاك الكهرباء، إلى حسابات المستهلكين في وزارة الكهرباء والماء في بداية كل سنة مالية، ثم تحاسبهم وفق التكلفة الفعلية. ولابد من الاشارة هنا إلى ضرورة إعفاء المستهلكين من تحمل تبعات البطالة المقنعة والمصروفات المتضخمة المعهودتين في المؤسسات الحكومية. الفكرة المقترحة قريبة من منحة الالفي دينار التي طبقت قبل سنوات لكل عداد في السكن الخاص، ولكن يتزامن معها تعديل تكلفة استهلاك الكهرباء.في حال طبقت الدولة مقترح دعم الافراد عوضا عن دعم الاستهلاك، فإن التكلفة السنوية للكهرباء ستبقى كما كانت إذا استمر المواطن على سلوكه الاستهلاكي. ولكن تطبيق المقترح سيحفز ملاك المساكن على ترشيد الكهرباء لأنه سيوفر لهم مقدار التكلفة الفعلية عوضا عن الفلسين لكل كيلو وات - ساعة من الكهرباء ينجح في حفظه.بالرغم من أن خبراء الترشيد مجمعون على المقترح، إلا أنهم يعلمون بأن نجاح تطبيقها مرتبط بدقة تحليل وتحديد العديد من المعايير التنفيذية ذات العلاقة ومنها رفاهية المستهلكين. ويعتقد المختصون بأن الفكرة ليست مقترحا متكاملا بل جزئية مهمة يمكن إدراجها ضمن مقترح شامل - لتسعير الكهرباء - يصون راحة شاغلي البيوت ويشجع على الترشيد ويردع الاسراف.خبراء الطاقة المحليين والدوليين يصرحون بأن النظام الحالي لتعرفة الكهرباء في الكويت غير عادل وغير قابل للاستمرار. لذلك يجب استحداث نظام جديد منصف مع المستهلكين، ومتوافق مع مناخ شديد الحرارة، ومتسق مع متطلبات التنمية المستدامة. وهذا ما يستلزم إجراء دراسة شاملة لتحليل وتقييم النظم المناظرة في المنطقة والعالم.. والجهة الوطنية الأقدر على إدارة وتنفيذ هكذا دراسة هي معهد الكويت للأبحاث العلمية نظرا لما يتمتع به من قدرات وإمكانات تراكمية في مجال حفظ الطاقة في المباني بالكويت.abdnakhi@yahoo.com