كان نقاشاً ممتعاً ومفيداً في آن نظراً إلى أنه سمح للبنانيين والعرب بالتأكد من مدى الهبوط في مستوى الخطاب السياسي في البلد. نواب لبنانيون يتحدثون في السياسة مركزين على مخاطر ما يمثله سلاح «حزب الله» على الوطن الصغير، فيرد أحد نواب الحزب بكلام ناب يعبر ببلاغة ليس بعدها بلاغة عن مدى الإفلاس الذي يعاني منه الحزب الإيراني الذي لم تعد لديه لغة أخرى غير لغة السلاح يستخدمها لـ «إقناع» اللبنانيين الآخرين بأنه لا يزال الأقوى. والنقاش الممتع والمفيد هو ذلك الذي دار في مجلس النواب اللبناني لدى مناقشة البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة. كشف البيان استمرار وجود ثقافتين في لبنان لا سبيل للجمع بينهما في ضوء الهوة العميقة التي تفصل بينهما. ثقافة مرتبطة بمجتمع مدني يمكن اختصارها بثقافة الحياة وثقافة أخرى تمجد الموت والتدمير والبؤس وكل ما له علاقة بتكريس لبنان «ساحة» للمحور الإيراني - السوري. المؤسف أن رئيس مجلس النواب السيد نبيه بري انضم إلى الدفاع عن الداعين إلى نشر ثقافة الموت. لو لم يكن الأمر كذلك، كيف يمكن لرئيس لمجلس النواب تبرير الاعتصام في وسط بيروت الذي لم يكن سوى استكمال للحرب الإسرائيلية على لبنان؟ كيف يمكن له تبرير الاعتداء على الأملاك الخاصة والعامة وكيف يستطيع تبريرالاعتداء على بيروت وأهل بيروت وانتهاك الحرمات كما حصل في مايو الماضي. كيف يستطيع تجاهل إحراق ميليشيا «حزب الله» لمنزل نائب محترم وحضاري ذنبه الوحيد أنه بيروتي أصيل وينتمي إلى مذهب معين؟ والأهم من ذلك كله، كيف يمكن تبرير ما قام به «حزب الله» في غزوته للعاصمة والجبل والشرخ الذي خلفته الغزوة «المجيدة» بين اللبنانيين وهو شرخ طائفي ومذهبي عميق لا تمكن مقارنته إلا بذلك الذي عانى منه العراق نتيجة الاحتلال الأميركي من جهة والدور الإيراني الذي يمارس عبر تسليح الميليشيات من كل الطوائف والمذاهب بغرض تفتيت البلد الذي كان عربياً إلى ما قبل فترة قصيرة، من جهة أخرى.لا حدود للفائدة التي يمكن جنيها من مناقشة البيان الوزاري، خصوصاً أنها سمحت بكشف الأوراق. تبين بكل بساطة أن رئيس مجلس النواب يدرك حقيقة ما يجري على الأرض ولكن لا حول له ولا قوة، من دون أن يعني ذلك أن في الإمكان الإتيان له بأسباب تخفيفية. أما النائب ميشال عون، فبدا أنه غير قادر مع أزلامه من صغار النواب والوزراء سوى أن يلعب الدور المكلف به والذي يختصر بكلمة الأداة لدى الأداة. إنه سياسي عندما يتطلب الأمر أن يكون عسكرياً، وعسكري عندما يتطلب الأمر أن يكون سياسياً. لا علاقة له من قريب أو بعيد لا بالأمور العسكرية ولا بالأمور السياسية. تاريخ ميشال عون يشهد على ذلك وعلى أنه لا يتقن دوراً آخر غير دور الأداة. وكانت الترقية التي حصل عليها أخيراً أنه صار أداة لدى الأداة. إنه لا يعرف حتى ماذا يعني وجود «حزب الله» كميليشيا مسلحة على الأرض اللبنانية وأن الحزب لا يستطيع أن يكون غير لواء في الحرس الثوري الإيراني يؤمن له وجوداً على شاطئ المتوسط. كل ما تبقى تفاصيل. هناك قوة تتحكم بالسلاح في لبنان. هذه القوة هي النظام الإيراني الذي استطاع احتلال بيروت في غضون ساعات في غياب أي قوة مسلحة قادرة على مواجهته. ومكنه ذلك من فرض واقع جديد في لبنان كان البيان الوزاري الملتبس وجهاً من وجوهه.مرة أخرى، كان النقاش الدائر في مجلس النواب مفيداً نظراً إلى أنه أكد وجود تلك الهوة بين ثقافتي الحياة والموت. وكشف خصوصاً أن قسماً لا بأس به من اللبنانيين لا يريد أن يتعلّم من تجارب الماضي ومن النتائج التي ترتبت على «اتفاق القاهرة» الموقع في العام 1969 من القرن الماضي والذي كان كارثة على لبنان واللبنانيين. كان كارثة بكل المقاييس نظراً إلى استغلاله من النظام السوري للانقضاض على لبنان وعلى مؤسسات الدولة اللبنانية كي يصل النظام في دمشق إلى نتيجة فحواها أن الوطن الصغير في حاجة مستمرة إلى وصاية. ثمة من يصرّ على تجاهل الماضي القريب وعلى أن يكون امتداداً لهذا الماضي. بكلام أوضح، ثمة من يصرّ على أن يكون «حزب الله»، بالميليشيا التابعة له، امتداداً للميليشيات الفلسطينية التي كانت في لبنان حتى العام 1982.كان النواب اللبنانيون الذين تحدثوا في جلسة المناقشة للبيان الوزاري على حق عندما أصروا على ضرورة الانتهاء من سلاح «حزب الله» الذي يتبين يوماً بعد يوم أنه لم يخدم سوى إسرائيل. والحديث هنا عن النواب الوطنيين الذين ليسوا تابعين لـ «حزب الله» أو لأدواته أو لأدوات الأدوات كذلك الجنرال برتبة مهرج. من يحتاج إلى دليل على ذلك، يستطيع العودة إلى مرحلة ما بعد حرب صيف العام 2006 وكيف أن سلاح «حزب الله» ارتد على اللبنانيين بدءاً باحتلال الوسط التجاري الذي يعتبره الرئيس بري «اعتصاماً ديموقراطياً» وانتهاء بـ «غزوة بيروت والجبل» التي خدمت الفكر الإسرائيلي استراتيجياً بمساعدتها في تأجيج الفتنة المذهبية التي تصب في خدمة «الدولة اليهودية» لا أكثر. لا حاجة إلى مزايدات ومزايدين. في العام 1976، كان هنري كيسينجر يتفاوض مع القوى الإقليمية من بينها سورية وإسرائيل في شأن كيفية الانتهاء من الحرب التي نشبت في لبنان. كان همه الأوّل استيعاب الحرب وحصرها بلبنان خشية أن تتحول إلى نزاع ذي طابع إقليمي. اهتدى، بقدرة قادر، إلى أن ذلك ممكن في حال دخل الجيش السوري لبنان ووضع يده على منظمة التحرير الفلسطينية والمسلحين التابعين لها. وضعت إسرائيل «الخطوط الحمر» للسوري في لبنان. والتزم النظام السوري هذه الخطوط بدقة ليس بعدها دقة. كانت حجة إسرائيل، استناداً إلى ديبلوماسي رافق عن قرب المفاوضات التي أدت إلى الدخول السوري الأوّل إلى لبنان، أن المسلحين الفلسطينيين يجب أن يبقوا في جنوب لبنان وأن هناك حاجة لدى من تسمي نفسها «الدولة اليهودية» إلى «التحرش بهم بين فترة وأخرى». ما الذي تغيّر بين 1976 و2008؟ لم يتغير شيء. لا يزال هناك من يريد استخدام لبنان لـ «التحرش» بإسرائيل... بناء على رغبة إسرائيل!
خيرالله خيرالله
كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن