بمبادرة من مجموعة الدول الصناعية السبع (G7) - في عام 1989 - تأسست منظمة دولية حكومية سميت مجموعة العمل المالي (FATF) وهي معنية بالإجراءات المالية المتعلقة بغسل الأموال، مهمتها كانت وضع سياسات لمكافحة غسل الأموال، ولكن بعد الهجمات الإرهابية التي شهدتها الولايات المتحدة الأميركية في عام 2001، تم توسيع الغرض من المجموعة ليشمل تجفيف منابع تمويل الإرهاب. السياسات الأساسية للمجموعة تندرج ضمن محورين: التوصيات الأربعين لمكافحة غسل الأموال (1990)، والتسع توصيات الخاصة بوقف تمويل الإرهاب (ثمانية منها صدرت في أكتوبر 2001 والتاسعة في أكتوبر 2004)، وفي عام 2012 أصدرت المجموعة وثيقة شاملة تضمنت مواضيع أخرى وثيقة الصلة بغسل الأموال وتمويل الإرهاب وهي: أسلحة الدمار الشامل والفساد والتحويلات البرقية.ومن أجل تبديد مخاوف بعض الدول من وجود أجندات خفية لمجموعة العمل المالي، تم اعتماد «التقييم المتبادل» كآلية لرصد درجة التقدم المحرز لدى كل دولة عضو. كما تمت إتاحة درجة من المرونة للبلدان في تنفيذها لتوصيات المجموعة، بحيث تراعي ظروفها الخاصة وأطرها الدستورية.الكويت من الدول التي عانت لسنوات طويلة من هشاشة منظوماتها المعنية بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد. وخير دليل على ذلك هو تربع الكويت في المراكز الأخيرة خليجياً والمتأخرة عالمياً ضمن قائمة مدركات الفساد التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية، إلى جانب القصور التشريعي في التعاطي مع قضية تضخم حسابات عدد من نواب مجلس 2009، فضلاً عن العجز الرقابي في الكشف عن الكويتيين والمقيمين الممولين للإرهاب ومنهم من أبلغت عنهم دول أخرى أو أدرجوا في «اللائحة الموحدة» أو القائمة السوداء التابعة لمجلس الأمن.خلال مشاركته في برنامج تلفزيوني، أكد مدير إدارة الجمعيات الخيرية والمبرات بوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ناصر العمار أن الكويت عملت جاهدة منذ 2002 على استيفاء جميع النقاط الأساسية التي سُجلت عليها في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.ولكن على الرغم من تلك الجهود، لم تستوفِ الكويت المتطلبات إلا في يناير 2015 حيث تم تقييمها في حينها، وتباعاً أصدرت مجموعة العمل المالي بياناً في نوفمبر 2015 أكدت فيه تلبية الكويت لتعهداتها بتعزيز نظم مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد.وثيقة مجموعة العمل المالي (2012) أكدت التداخل بين أنشطة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد. هذه الشراكة هي المسؤول الأول عن إعاقة دولة الكويت - لمدة 14 سنة - عن استيفاء التزاماتها أمام المجموعة وتجاه الكويت، ويعتبر القانون رقم (106) لسنة 2013 في شأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ولائحته التنفيذية من أبرز الاختراقات التي لم تتحقق إلا في المجلس المبطل الثاني، أي خلال فترة الشقاق بين أضلاع مثلث الإعاقة: غسل الأموال وتمويل الإرهاب والفساد، على الرغم من استمرارية بعض أعضاء المثلث في المبطل الثاني والحالي.منذ بداية الألفية الثالثة والشباب الكويتي يضغط لتطبيق كشف الذمة المالية للنواب والقياديين، ومن بين المجموعات الشبابية التي عملت في هذا المجال «شباب ضد الفساد» ولجنة «نزاهة». ولكن جهودهم لم تحقق شيئا على الرغم من أن العديد من نواب المجالس السابقة كانوا من بين الموقعين على معظم وثائق التعهد في فترة الانتخابات. والهيئة العامة لمكافحة الفساد لم تنشأ إلا من خلال «مرسوم ضرورة» أقر في المجلس المبطل الثاني، أي خلال فترة تفكك أطراف مثلث العرقلة.سنوات طويلة والأحزاب الدينية تمانع تطبيق آليات لمراقبة العمليات المالية خاصة تلك المرتبطة بالجمعيات واللجان الخيرية، بحجة أنها ستعيق الأعمال الخيرية، والأيتام هم أول المتضررين. وهناك من ربط تلك المساعي بمخططات الإمبريالية وبمشاريع قوى الاستكبار، متناسياً أن اللجان الإنسانية العالمية، شاملة المسيحية منها، جميعها تخضع لرقابة مالية مشابهة ولم تتأثر أنشطتها سلباً بل رشدت مصروفاتها. مصداق آخر لمنهجية التجهيل التي تتبعها الأحزاب الدينية.هناك أحزاب دينية في الكويت أعاقت تطبيق توصيات مجموعة العمل المالي، وتهربت عن التصدي لاستشراء ثقافة التطرف والطائفية في المجتمع، وتقاعست عن مكافحة ما أعلن وما كشف من أنشطة لتمويل الإرهاب عبر أبواب كويتية. الغريب أن تلك الأحزاب المقصرة حرصت على أداء واجب العزاء - بالتمام والكمال - لضحايا الإرهاب، فشاركت في تشييع الشهداء ثم أبَّنتهم.abdnakhi@yahoo.com
مقالات
أ. د. عبداللطيف بن نخي / رؤية ورأي
من التمويل إلى التأبين
02:41 م