| كتب مدحت علام |

لم يكن محمود درويش مجرد شاعر استطاع ان يؤسس لقصائده مكانة متميزة في مساحة كبيرة من الوجدان الانساني!لم يكن مجرد مقاوم لمساعي الهيمنة والاحتلال، وتطلعات صهاينة في العبور على الاجساد البرئية، بغية الوصول إلى حلم السيطرة الكاملة على الشرق الاوسط!لم يكن مجرد صوت كان يهدر شعرا، وينتفض انسانية ضد الظلم والتسلط، معلنا الانتماء الذي لايقبل المساومة للوطن والارض والانسان!لم يكن مجرد صفحات كتاب قرأنا عبر سطورها احلامنا العربية، وتجولنا في فناء جملها، حاملينا على اكفنا ارواحنا المتوهجة مع كل اطلالة قصيدة جديدة!محمود درويش كان كل ذلك... واكثر!انه الشاعر الجميل والمقاوم الحر النبيل، وصوت الحق المدافع عن الوطن، والكتاب الذي كان ملاذ احلامنا كلما تعرضت مشاعرنا لضغوط الحياة، ورهبة الساعي إلى السيطرة.محمود درويش... اسم تربينا على قصائده تلك التي كانت تنير لنا دروب الامل، وتبعث احلامنا بعدما كانت قد افلت، وبهتت ملامحها، وكان الانسان الذي وضعناه في مرايانا لنشاهد فيه السماحة والسلام والرفض، والحب والجمال.انه حالة... لم تكن قابلة للتكرار، وطريقا اوصلنا الى بلاد النور... انه حالة النقاء، ومسيرة الانسان الذي لايقبل المساومة على وجدانه، ووطنه، وقناعاته... عاش حرا محلقا في فضاءات واسعة من الشعر، يكتب القصيدة ثم يخلد إلى النوم، دون ان تنتابه حالة اليأس، لان هناك صبحا جديدا ستعود فيه الشمس إلى اطلالتها، وستغرد على اشجاره العصافير.انه التقاء الشاعر بالانسان... الكلمة بالاخلاص، والفرحة بالالم... والتقاء الشتاء بالصيف، والمنفى بالوطن... التقاء الضد بالضد، والالتقاء مع الحياة والموت معا.فكيف يكون الوطن قصيدة نضع في مفرداتها الاهل والصحاب، والتراب والامل...؟، كيف يكون الوطن كلمات تحمل في كل حرف منها رؤية حقيقية للنقاء والتطلع؟قلت: ما الفائدةهرب الوقت مناوشذ المصير عن القاعدةها هنا قاتل وقتيلينامان في حفرة واحدة!المشهد كان يتكرر في ولادة كل قصيدة جديدة، وجوه تتطلع إلى احلامها البعيدة، وانفاس تتلاحق مع نبض كلمات مغموسة في دماء الالم والحزن، وتحاول ان تحلق بالفائت من الاحلام... ومساحة شاسعة من الصدق ننصرف فيها إلى احوال وطننا... انه المشهد الذي شاهده حينما قال وانشد محمود درويش قصيدة «ارى شبحي قادم من بعيد»اطل على شجر يحرس الليل من نفسهويحرس نوم الذين يحبونني ميتااطل على الريح تبحث عن وطن الريحفي نفسهااطل على امرأة تتشمس في نفسها!«ويحرس الذين يحبونني ميتا»... وما اكثرهم هؤلاء الذين احبوا قصائد محمود درويش بجمالها، وانسانيتها، الا انهم لم يحبوا وجودا في سدة المقاومة، مدافعا عن مبادئه، ووطنه.ان اطلالة الشعر كانت مسارنا الحقيقي لفهم انفسنا بفضل تلك الرمزية المتوهجة والقدرة في العزف على المشاعر العارية:اطل على لغتي بعد يومين، يكفي غيابقليل ليفتح اسخيليوس الباب للسلميكفيخطاب قصيد ليشعل انطونيو الحربتكفييد امرأة في يديكي اعانق حريتيوان يبدأ المد والجزر في جسديمن جديد!لم تكن القصيدة تاريخا كتبه درويش، مدونا في مشاعرنا، بقدر ما كانت حياة نعيش إلى الان في اوقاتها، ولحظاتها... كانت صرخة تقشعر لها الابدان ضد الجمود، والاستسلام، والخضوع:اطل على جدع زيتونة خبأت زكريااطل على المفردات التي انقرضتفي «لسان العرب»اطل على الفرس والروم والسموريينواللاجئين الجدد...اطل على عقد احدى فقيرات طاغورتطحنه عربات الأمير الوسيملماذا تركت الشعر... وحيدا... وتركت انجمنا وحيدة؟ واحلامنا مازالت في رخاوتها منذ سنوات طويلة مضت. كدت ان تجعلها صلبة قادرة على الصمود فوق ارض هي في الاساس رخوة الا ان الموت كان فاتحة للالم، وفاتحة للغياب.انه الانسان الذي تفاعل مع كل ما يحيط به من موجودات... الارض والام، والانسان، ولم يهدأ شعره في الكشف عن منابع الجمال، في كل شيء:احن إلى خبز اميوقهوة اميوتكبر فيّ الطفولةيوما على صدر اميواعشق عمري لانياذا متاخجل من دمع امي«اذا مت اخجل من دمع امي»... وهل كان الموت هاجسا تدور في فلكه قصائد درويش؟ هل كان مرحلة ينتظر حدوثها، منذ ان رسم الشعر احلامه؟ليس الموت... صورة تضع في ملامح الشاعر الخوف والرهبة، بقدر ما كان صورة يرى فيها احوال الوطن، وما يعيشه من موت وما يتنفسه الانسان من خيبة وضياع!محمود درويش رسم الموت لوحة في قصائده بغية ان يكون مسلكا يرى فيه كل ما يجدر ان يراه من مشاهد عربية تسقط في لجج الموت والانتهاء، فالموت هو الهروب الكبير الذي اتخذته الشخصية العربية لنفسها متكأ في ظل الصراع الدائر في ساحة الشرق الاوسط... انه الفناء والانتهاء، ونسيان التاريخ، والالتقاء مع مشاعر الاستسلام!وحينما نتأمل الشاعر الكبير الراحل محمود درويش سنجد ان سيرته متوهجة بالفعل الانساني، الذي جعل منه وطنا بعدما الوطن فقد حدوده، وراحت معامله ترسم على مرايا الاخرين... فقاوم الظلم بالقصيدة، ودافع عن ارضه بالكلمة، ولم يكن يركن للاستسلام ابدا، فقد كانت حياته، التي امتدت 67 عاما - مزدحمة بالمنجزات والقصائد التي تحاول ان تعيد الحقائق إلى اصولها.وانه... وقد شاهد في حياته النزاع الفلسطيني، وانشطار ما تبقى من الوطن، إلى نصفين واحد في غزة والاخر في رام الله، كان شاهدا كذلك على انشطار الحلم إلى نصفين واحد في قصائده التي مازالت تتوهج في ضمير الانسانية، والاخر قابع في قلبه الذي خضع لثلاث عمليات جراحية، الاخيرة لم تكن سهلة بالقدر الذي يتحملها هذا، القلب الذي عذبته المنافي، واحرقته الالام، وارقته وحدة الصف الفلسطيني الموزعة على احزاب عدة... ففضل الاستسلام للموت، والغياب الذي وضعنا في ضائقة الغياب!

سيرة لم تكتمل!

كان ترتيبه الثاني لخمسة ابناء وثلاث بنات في اسرة فلسطينية تعيش في قرية «البروة» في الجليل الغربي، ولد في عام 1942، عرف خلال طفولته المبكرة جمال القرية وحلاوة الانتماء إلى الوطن الحر، ولكن هذه الطفولة أرقتها الأيادي الصهيونية، حينما دمرت القرية، وضمتها إلى مغانمها وحولتها إلى قرية زراعية اطلق عليها «أحي هود»، ثم لجأ إلى لبنان في السابعة من عمره، وبقي فيها عاما واحداً، كي تتقلب بالقرية الأيام، ثم تستقر في قرية «الجديدة» شمال غرب قريته «البروة».تمكنت مثل هذه الاحداث من ان تكون في ضمير ومشاعر محمود درويش الطفل رؤية خاصة، اندفع من خلالها للبحث عن وطنه المسلوب، ومن ثم فقد تقلب في العديد من الأفكار على سبيل الاستقرار على منهج واحد يكون دليله الذي يدافع به عن وطنه.كان شاهدا على الكثير من الانكسارات والآلام. تلك شكلت شاعرية محمود درويش، إنها المذابح والحصار والنزعات العدوية تلك التي مارسها الاحتلال الصهيوني على الشعب الفلسطيني المدافع عن أرضه وعرضه.كي تنتج هذه الانكسارات والآلام القصائد التي أرقت الكيان الصهيوني وكانت الدافع الرئيسي لانتباه العالم لهذا الألم الإنساني الكبير.وفي عام 1984 اجريت له عملية في القلب، اعقبتها عملية اخرى في عام 1998 وكانت أشد خطورة من الأولى، تلك التي اسهمت في ولادة قصيدة «جدارية».ولم يتوقف الألم عند هذا الحد... في الاربعاء الماضي ادخل مستشفى ميموريال هيرمان في مدينة هيوستن في ولاية تكساس الأميركية، وقام الجراح العراقي العالمي حازم صافي باجراء عملية القلب المفتوح له... وفي مساء السبت الماضي أعلنت كل الوكالات العالمية نبأ وفاة محمود درويش... ذلك النبأ الذي حرمنا من ان نكمل سيرة شاعر كانت القصيدة سلاحه الوحيد في وجه معتد جاحد.

طابع بريدي... لا يكفي

هل يكفي إصدار وزارة الاتصال وتكنولوجيا المعلومات الفلسطينية - منذ أيام - طابعاً بريدياً عليه صورة للشاعر الكبير محمود درويش، وهو يلقي إحدى قصائده في أمسية شعرية؟هل يتوقف تكريم هذا المبدع عند هذا الحد... أعتقد ان ذلك سيكون اغفالا للدور الكبير الذي لعبه درويش في القضية الفلسطينية مناضلا ومقاوما وشاعرا.ذلك الشاعر الذي أصدر العديد من الدواوين الشعرية، وترجمت أعماله إلى أكثر من 32 لغة، والذي ارتبط اسمه بشعر الثورة والوطن، وحصل على العديد من الجوائز كان آخرها جائزة «الأركانة» العالمية للشعر والتي ينظمها بيت الشعر في المغرب.