في العاشر من يونيو 2014، دخلت قوات «المقاومة العراقية السنية» مراكز الجيش العراقي داخل مدينة الموصل الشمالية واشتبكت معه مستخدِمة أسلوب المباغتة بعدما كانت مئات من خلايا تلك المقاومة داخل المدينة تحضّر لساعة الصفر منذ أشهر عدة، فانسحب الجيش العراقي انسحاباً كيفياً مشرذماً ليترك المدينة ومطارها ومخازن السلاح الضخمة بيد هذه المقاومة التي انتفضت على حكومة بغداد.الا ان تنظيم «الدولة الاسلامية» (داعش) الذي كان ضمن أحزاب سنية وعشائر أطلقت عملية الانتفاضة، استطاع التغلب على حلفائه العراقيين وخطَف النصر له لوحده مهمّشاً ومبعداً على نحو قسري كل الأطراف الأخرى التي شاركت معه باحتلال الموصل والتي استخدمت علاقاتها العشائرية وارتباطاتها مع ضباط قدامى، اذ تمثل بعض الجماعات في قيادتها ضباط حزب البعث المنحلّ ممن يتمتعون باتصالات مع بعض القياديين العراقيين الحاليين ما يجعلهم على معرفة بالأمور الأمنية وأسرارها.وبسيطرة «داعش» على الموصل أطلق عملية احتلال لأكثر من ثلث العراق ودقّ أبواب كردستان وانتشر خبر مفاده ان «داعش» يتقدم نحو بغداد ليتسبب آنذاك بهجرة عراقية جماعية من المناطق الشمالية الشرقية والوسط والغربية ومن بغداد نفسها الى مدن جنوبية اكثر أمناً والى مناطق الأكراد في كردستان.الا ان انقلاب «داعش» على حلفائه تسبّب بتراجع الدعم الذي تمتع به منذ سنوات احتلال العراق ولغاية العام الماضي، عندما اعرب عن نياته التوسعية وتمدُّده الى مناطق شرق اوسطية أخرى، كاشفاً عن مخططه بقلب الأنظمة وليس بدرء الظلم، مما جمع أكبر تحالف عربي - خليجي وإسلامي وغربي ضده.وهكذا خسر «داعش» منذ سنة الى اليوم مدن طوزخورماتو وآمرلي وكذلك مناطق خانقين وديالى وصلاح الدين وجرف الصخر وايضاً مدينة بيجي ومناطق جنوب غربي كركوك مثل داهوق وبشير ومناطق حول جبل سنجار، وتقدم الى هيت والرمادي في مناطق الأنبار بعد انسحاب القوات الأمنية من عاصمة الأنبار ليقع في فخٍ قدّم لحكومة بغداد العذر الكافي ليتدخل الحشد الشعبي - الذي أطلق عملية انشائه المرجع الديني في النجف السيد علي السيستاني - بعدما كان توقف عن المشاركة على خلفية تحرير مدينة تكريت الذي تَسبب بردّات فعل طائفية ولا سيما ان العشائر التكريتية قد اتُهمت بالمشاركة الاساسية في إعدام نحو 1600 - 1700 عنصر من القوات الأمنية العراقية مما عرف بمجزرة سبايكر.واليوم أُطلق العنان لمحاصرة داعش من جهات عدة بتدخل الحشد الشعبي بمباركة أميركية ومن بعض عشائر الأنبار والرأي العام العالمي الذي يرى خطر تمدُّد «داعش» الذي أعلن الدفاع عن اهل السنّة، فيما هو تَسبب بخسارة منازل السنّة وتدميرها بنقل المعركة الى مناطقهم وكذلك بهجرة مئات الالاف من اهل الأنبار الذين نزحوا الى بغداد هرباً من داعش ومسرح العمليات العسكرية.وفي الموصل، بسط «داعش» سلطته على نحو مليوني نسمة يقطنون داخل أسوار المدينة الاشورية القديمة بعدما هدم حضارات عمرها آلاف السنين ودمر مكتبة المدينة التاريخية بحجة ان هناك معابد قديمة عُبد فيها غير الله قبل 4 الاف سنة، وها هو اليوم يحفر الخنادق حول المدينة ويمنع السكان من الخروج إلا بعذر شرعي او مرَضي بعد ان يترك هؤلاء، قبل خروجهم، ممتلكات عقارية او عينية تثبت انهم سيعودون اليها وانهم لا يتركونها خوفاً من الآتي، ليتحوّل «داعش»من «منقذ من الظلم» الى تنظيم يحتاج الى دروع بشرية ليحتمي بها مما يُحضّر للموصل مستقبلاً.