( 1 ) عندما أسودت الحياة وغرقت في بحار الهزيمة جاءت لي من حيث لا أحتسب. كانت كالفراشة بعيون سمراء. وهبها الله إياي لتخفف عني وتمتع نظري وتملأ قلبي بالنشوة والخيالات. في مرة من المرات وهي تسألني عني قبل أن تراني، ولو على سبيل السخرية أو قتل الوقت، قلت لها انني لست وسيما ولا جميلاً كما قد تتوقع، أخبرتها بأنني لست بطلاً، إذا ظنت ذلك، ولكني سأموت كالفرسان بحثاً عن بطولة... ولما طلبت معرفة ماهية بطولتي المفقودة، صارحتها بعدم معرفتي، فأنا لا أعرف شيئاً يا عزيزتي، لا أعرف سوى استطاعتي الحب جيداً.ومعها وجدت شيئاً من بطولتي؛ حتى لو كانت بطولة مؤقتة.( 2 )سألني صديقي السلفي ذات يوم عن الشيء الوحيد الذي إذا أتيح لي تغييره في الحياة لفعلت، سرحت قليلاً في التفكير لكني سرعان ما عدت بإجابة لم ترق له كثيراً، ربما لعدم تفهمه بالشكل الكافي أو لعدم إتقاني في الشرح. كانت: أن يبقى الحب، وألا يفقد المحبون أحبابهم، وألا تنتهي الملحمة، أي ملحمة، بفقدان حماسة البدايات وتمادي الملل حتى يبلغ منتهاه، أي؛ ألا ينهزم الحب أبداً... نظر لي نظرة ضجرة بسبب تفاهتي التي بدت، فما أكثر، وأحوج، ما يوجد في العالم من مآس تحتاج للتغيير أكثر من الحب وهذا الكلام الفارغ!( 3 )الغريب إنني لا أفهم رغبة الكثير من الناس في فهم الحب بالطريقة التي تجعلهم يبغضونه، لماذا؟ يؤسفني أن أقول لك يا صديقي أن الحب ليس حراماً مثلما تعتبر. الحب ببساطة هو الحلال الوحيد المتفق عليه في كل الديانات السماوية وغيرها، وهو العامل المشترك بين المؤمنين بالله والمتشككين والملحدين. أوليس الحب عبادة أصلاً؟ أوليس الحب من الله وإليه؟ نعم، هو كذلك. والدليل قول ابن عربي: "الدعاءُ عبادةٌ، والذكرُ سيادة. من دعاهُ وصل إليه، ومن ذكرهُ فهو عنده. أوليس هذا قمة الحب والروعة يا صديق؟ بالله عليك. الحياة لا تسير إلا بالحب، فحب الله أولاً وأخيراً، وحب الحبيبة والأهل والرفاق بينه وفي قلبه... في نظري، مهما كانت الحياة سيئة وكئيبة ومآساوية، فهي تستمر بالحب، وبدونه لا يعول عليها.( 4 )لكل منا ما يحب. الحب مجاله مفتوح وواسع ?قصى الحدود.عن نفسي أحببت الكتابة أكثر من أي شيء، فأنا مهما ابتعدت عنها وأعلنت اكتفائي لشعوري بالنجاح أحياناً وبالفشل أوقاتا أخرى، إلا أنني أعود... الحب عودة. ربما ارتبطت بها ?نها كانت وسيلة الهروب اليتيمة من الصمت، لا يهم لماذا أحببتها... أحياناً معرفة مسببات الحب تميته.أحببت الله ليس ?نه خلقني وأعطاني قدر ما أحببته لتركه لي الكثير من الأسئلة التي لا يعلم إجابتها غيره، ومن هنا أنطلق خيالي المؤدي ?كثر ما أحب-الكتابة- فشكراً لك يا رب، أحببته لرحمته التي لا تتنافى مع قسوته، ولصبره الذي لا يتنافى مع شدة عقابه، فاللهم عاملني برحمتك ولا تعاملني بعدلك، وأصبر علي حتى أجدك بيقين حق ?ؤمن بك إيمان رسول الله، وليس إيمان رفاق هذا الزمان، إيمان تحصيل حاصل.أحببت أهلي ليس لحبهم الشديد لي، وليس لرغبتهم أن أكون أعظم من على الأرض، لم أحبهم لمساندتهم لي في كل خطوة أخطوها وصلاتهم من أجلي، فقط أحببتهم ?نهم هم الوحيدون الذين كانوا بجانبي أثناء وقوعي في قمة ضعفي وقلة حيلتي، أحبكم ?نكم لم تخذلوني كما خذلني الجميع، وأحبكم أيضاً ?نكم لا تدركون مدى حبي هذا لكم.أحببت الكثير من الأصدقاء على مراحل مختلفة، وكذلك الفتيات، اقتربت بنسبة لا بأس بها منهم، بادلتني كمية قليل نفس القدر من الحب، وأخذت علاقتي شكلاً نمطيا مع الكثير، كما كرهني وتجاهلني الأغلبية. حقيقةً لا تراودني رغبة في قول أي شيء لكم، فأنا لم أعد أحس بشيء تجاه الناس بشكل عام، لكن لو كان هنالك ما عليكم أن تعلموه، فهو أنني أحببتكم، كلكم والله، بصدق.أحببت الكتب والموسيقى والسينما، وأتمنى لو أخلد في شيء منها، أحببت العديد من الشعراء والأدباء والفلاسفة والموسيقيين والسينمائيين، وأتمنى يوماً أن أصبح مثلهم. قد تكون هذه الأماني مجرد هلوسة، لكنها لو تحققت فلن أكون سعيداً تماماً، في النهاية أود أن أكون مثلهم بطريقتي، أريد أن أكون أنا.أحببتها ?نها... ?نها... ?نها هي.( 5 )البله المميت، مرض وراثي نادر، يؤدي إلى فقدان السمع، والبصر، وضعف عضلي، وضعف عقلي. عادة ما يبدأ ظهور الأعراض في سن الـ6 شهور ويؤدي غالباً إلى الوفاة مبكراً لعدم توافر علاج لهذا المرض.ما أشبه الحب بالبله المميت؟الحب الصادق نادر. الحب هو المشاعر المؤدية إلى العمى، والغباء والجنون، والمرض. عادة ما يكون ?كثر العشاق ملحمية قصص حب منذ طفولتهم وغالباً ما يموتون صغاراً واضعين أسماءهم في قائمة هؤلاء العظماء الذين لم يجدوا علاجاً لمرضهم اللعين، الحب..أنا الآن أحب. فعلياً أحب من كل قلبي. ولا أكترث إذا أصبت بالبله المميت يوماً ومت صغيراً، أربعون سنة أو أقل قليلاً تبدو كافية ومناسبة للغاية ولا أطمع في أكثر من هذا، صديقي دوستويفيكي أكد على كلامي أيضاً، «أما أن يعيش المرء أكثر من أربعين سنة، فذلك شيء لا يليق به، شيء منحط ومناف للأخلاق. ثم من ذا الذي يتجاوز سن الأربعين؟ بالله عليكم، أجيبوني بكل صراحة؟ أنا سأجيبكم: الأغبياء والأنذال وحدهم من يعيشون أكثر من أربعين سنة».البله المميت، من العبقري الذي وجد هذا الاسم؟ ومن سبق الآخر في البله، وجوده أم ماهيته؟ لو تعمقنا في الفكرة، وفي تشبيه الحب بالبله المميت سننحدر إلى طريقين مرتبطين، ولتتأكد من شدة ارتباطهما ستجد أنك إذا فكرت في كل واحد على حدة سيأخذك للثاني..الطريق الأول؛ هو أننا يا رفاق، وبكل صراحة، لسنا غير قلة من الخاسرين والفشلة في هذا العالم الذي يسوده الظلم، وملاذنا الوحيد هو ذلك البله المميت «الحب»، أفيون سعادتنا الذي نتغاضى به عن الفشل، ونخدر به أنفسنا كي لا يتملكنا ألم الظلم والهزيمة.والآخر، والأحب إلى قلبي، هو أننا أيضاً قلة من الفشلة والمهزومين، سامحوني على سوداويتي، لكننا ببلهنا المميت نحاول أن ننتصر... فأصل الله الحب، وأصل الإيمان العشق، وأصل الثورة الغرام، وأصل الجهاد الكلف، وأصل التضحية التتيم، وأصل الثقة الوله، وأصل القبلة الهيام، وأصل الصداقة الخبل، وأصل الاستمرار الود، وأصل الشوق الحنين..واصل الموت البله.( 6 )أعي جيداً أن من يكترث قليلون، ومن سيقرأ أقل، وحقا لا يهمني فيكفي هي، سأعمل بنصيحتك يا عزيزتي «مش فارقة الناس، أكتب لنفسك»، سأكتب لي ولك. فلا تكوني مثلهم... كان من المفترض أن تنشر هذه المقالة/ شبه المقالة في جريدة ما، إلا أن المحرر اعتذر لعدم صلاحيتها للنشر، بالأمس حينما كنت أكتب مقالات «تافهة» ادعي أنها عظيمة، كان المحرر نفسه يستقبلني بصدر رحب، شيء سيىء أن تفهم، والأسوأ أن تخال ذلك. أتمنى الموت من أجل الحب فحينها ستكون نهاية هذا الحب هي نهايتي. لله الأمر من قبل ومن بعد. يا لي من أبله!