تدهشك الثقافة العربية وجماعات المثقفين العرب من قدرتها على مداومة الشكوى، فشكوى من ضعف الشعر واستسهال الرواية، وأخرى من انحطاط الفكر الفلسفي وثالثة من تدنى المستوى الأكاديمي ونقص الإبداع فيه. ويبدو أن الشكوى قد أصبحت هي المهارة الأساسية لدى المثقفين العرب التي رغم صدق محتواها، أصبحت المبرر الأقوى للكسل العقلي والإبداعي، واستسهال الهجوم على كل ما هو جديد ومبدع رغم كل ادعاءات طلب الجديد والمبدع. ويبدو أن الجماعة الثقافية العربية قد ضبطت مسارها على موجة يأس ونقد أشبه بالحقد وأدمنت رفض الجديد صراحة أو عبر سخرية مرة عنيفة لا تخلو من عدوان مكتوم. ليس ما سبق جديدا أو مدهشا لكل من رحم ربي من المحللين والمنظرين الذين قادتهم ظروفهم الشخصية غالبا للخروج من دائرة الانهيار الثقافي والانحطاط المعرفي الذي أصبح قاعدة انطلاق المثقف العربي، لكن الجديد والمدهش هو ما تقود هذه الجماعات الهشة أوطانها إليه. بعبارة أخرى؛ يبدو انهيار جماعة المثقفين العرب في الفكر والبحث العلمي تحديداً سلاحاً ذا حدين كلاهما قاتل: فهو انهيار يعني تخلي جماعة المثقفين والمفكرين عن مكان الريادة والقيادة الذي يجب عليهم احتلاله، وهو في الوقت نفسه انهيار تحولت تلك الجماعة بسببه إلى جماعة من الأنصاف في كل شيء: أنصاف باحثين، أنصاف متعلمين، أنصاف مفكرين، أنصاف نقاد، أنصاف موسيقيين...الخ. لقد تحولت حالة النصفية الرهيبة التي تسيطر على التيار الرئيس في الثقافة العربية إلى كارثة حقيقية، فنصف المتعلم هو نصف قادر على التعلم، ونصف المثقف هو آلة تبرير جامحة لكل مواقف الشخص ومصالحه، ونصف الباحث هو ماكينة تردادٍ لما أنتجه القوم هناك في الغرب أو هناك في التراث دون أدنى اقتراب من الهنا الغامض المستغلق على فهمه. وحين يسود الأنصاف يصبح طرح الجديد مؤلماً لهم ومستنفراً لطاقات العداء لديهم جميعا. حين تقدم إبداعا أصيلا مع أنصاف يحيطون بك عن قرب، تكون كمن صفعهم على وجوههم وأهان كرامتهم التي هي أيضا نصف، لابد لك أن تمارس سلطة عليهم حتى يفسحوا لك مساحة من آذانهم وعقولهم، لأنهم يقفون كالتلميذ الخائب مبهور الأنفاس أمام أفكار لا تزيد إن لم تقل عما تقدمه أنت فقط لأنها آتية لهم من الخارج، أو لأن صاحبها من الوجوه دائمة الظهور في شاشة التلفاز الساحرة المتسلطة. جماعة من الأنصاف لن تقود أمة نحو مستقبل أفضل، هي فقط قادرة على الإسهام في تسريع انهيار الأمة، وتقديمها لقمة سائغة في يد الإرهاب أو التسلط، يفعلون ذلك بجهل يليق بكل من هو نصف، وجهلهم درجات كلها يقود للأسفل، وهم مع ذلك واثقون ثقة الذليل الذي يدافع عن نفسه، ومتبجحون تبجح ذي السلطان في وجه كل من يخفض لهم جناح الذل من الرحمة، ومسحوقون كطيور دواجن أمام كل ذي سلطة. الأنصاف هم جهال العصر الحالي الذي لم يعد يقبل بأمثالهم إن كانوا في أمة تعلي من قيمة الإبداع، الأنصاف هم جهال العصر الذين لن يوقفهم شيء عن تدمير كل ما هو أعمق من وعيهم، إنهم نتاج عقود التجهيل والتخويف، وعلينا جميعا إن أردنا وضع أقدامنا في مستقبل أفضل أن نتقي شرهم قدر المستطاع. ورحم الله ابن المقفع حين وصف الجاهل كمن يصف أنصاف ثقافتنا بقوله:لا يؤمننك شر الجاهل قرابة ولا جوار ولا إلف، فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك، وإن ناسبك جنى عليك، وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك، مع أنه عند الجوع سبع ضار، وعند الشبع ملك فظ، وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم، فأنت بالهرب منه أحق منه بالهرب من سم الأساود (الثعابين) والحريق المخوف والدين الفادح والداء العياء (ابن المقفع/ الأدب الصغير والأدب الكبير).
محليات - ثقافة
قوس قزح / الأنصاف
| د. أيمن بكر |
01:11 م