تتكرر دائماً أخبار المدن الجميلة، وتنشر وسائل الإعلام صورها بإعجاب، مرة من أجل جذب السياح، ومرة أخرى من أجل التشجيع على نشر الجمال في العالم ليكون الإنسان أكثر سعادة،البحث عن الجمال غاية بشرية، بدءاً من جمال الكلمة والإحساس والشكل، ووصولاً إلى المكان.فالجمال حالة من التجلي،تنعش حواس الإنسان وترقيها، فكيف لو كان يعيش داخل لوحة فنية، مفرداتها الإبداع والألوان الجميلة!هذا ما يتمتع به سكان جزيرة «بورانو» التابعة لمدينة البندقية الإيطالية، والتي تعد أكثر المدن جمالاً في العالم، لا بسبب أبراجها العالية، ولا قصورها الفاخرة، ولا أماكن التسلية والترفية المبهرة فيها... إنما يعود السبب لأمر واحد، هو الألوان المشرقة التي تغطي كل جدار فيها، لتتحول إلى مشهد يضاهي بغنائه مشاهد الطبيعة!تتمتع «بورانو»، التي تضم بيوتاً بسيطة ملونة، بقدر كبير من الجمال. فكل بيت زين بلون يختلف عن الأخر. هذا الاختلاف أعطى شكلاً نهائيا للبيوت فظهرت كلوحة فنية رائعة، تجعل كل من يخطو خطوة فيها يشعر برمزية كل لون وبتأثيره في نفسه تأثيراً إيجابياً، يجعله في حالة من البهجة والراحة النفسية، فينعكس جمال الألوان على الأرواح، وتشع طاقة إيجابية تنطلق من أجواء الألوان.فالألوان جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لها تأثيرها السلبي والايجابي في الناحية النفسية، فكل إنسان لديه لون مفضل، يتناسب مع اهتزازات خلايا جسده، يسمى الرنين الطبيعي للجسد الذي ينجذب له ويتأثر به وبطاقته، وهذا ما ظهر واضحاً في المدن التي لبست الألوان الزاهية، فصارت من سماتها وتميزها. فإيطاليا وحدها فيها ما يقارب 10 مدن تتنافس فيما بينها على لقب أكثر المدن الايطالية زهواً بالألوان، وهناك أيضا دول كثيرة في العالم اهتمت بلغة الألوان، وأدركت مدى تأثيرها النفسي والجمالي في النفس، فحرصت على تجميل مدنها بالألوان، لتكون رمزاً من رموز جمالها، أمثال فرنسا، النرويج، بولندا، انكلترا وغيرها الكثير.وإذا كان توظيف الجمال في هذه المدن تجسد ببيوتها، فإن لجمال بعض الأمكنة وجوهاً أخرى. وإن لم تكن بهذا الحجم الكبير فهي تؤكد فكرة أن الجمال يقهر عدوان البشاعة وسطوة الجمود الذي يسكن العديد من الأماكن المترامية في هذا العالم. هذا ما فعله العديد من الفنانين الذين اندفعوا لتحويل حوائط باهتة مشحونة بالآثار السلبية إلى طاقة ايجابية من الإبداع والألوان، كما حصل على «جدار العزل» في نابلس الذي حوله الفنانون الفلسطينيون إلى لوحة جميلة، تجسد تاريخ القضية الفلسطينية، وما حصل على «جدار الموت» بين برلين الشرقية والغربية، الذي تحول إلى جدارية طويلة جداً، عبرت رسومها عن ويلات الحرب، واثر الانقسام في المدينة، وما حصل في العديد من الجداريات التي حولت الحوائط الصماء الجوفاء إلى رموز فنية جميلة تعبر عن الحرية والآمال والأحلام، وربما الاحتجاج بطريقة راقية، فالجمال حالة إنسانية قبل أن يكون لوحة فنية تكمن القيمة الحقيقية للجمال في مدى تأثيره في السلوك، وترقية الذوق العام، والنفور من كل قبيح. فالإنسان وحدة متكاملة من المشاعر والأحاسيس والتفكير، فلا يمكن أن يجتمع الرقي مع العشوائية، التناغم مع الفوضى، فالمشاعر الإنسانية الصافية تنبع من روح شفافة معطاءة جميلة.وكما قال الشاعر الايطالي دانتي:«الجمال يوقظ الروح للعمل».* كاتبة كويتيةAmal.randy@yahoo.com
محليات - ثقافة
نافذة... الأمل / مدن الألوان
| أمل الرندي |
07:03 م