الدهشة من أكثر الأحاسيس الممتعة، التي يمكن أن تنعش العقل والوجدان، وتصيبنا بحال من النشوة، فرغم قلة حدوثها أحياناً، إلا أن أثرها القوي يبقى عالقاً فينا، ويدق ناقوس ذاكرتنا دائما، ويدفعنا للتأمل والتساؤل...هذا الإحساس القوي الذي اقتحمني عندما شاهدت جرعات مكثفة من الأخبار المتناثرة حول الأطفال أصحاب المواهب الفذة، التي تأسر النظر والسمع منذ اللحظة الأولى حتى آخر مشهد يعرض موهبتهم، خصوصاً الذين لم يتجاوزوا الست سنوات.. إنه حقا لأمر مدهش!فالطفلة الهندية تشيروكوري دولي شيفاني، التي أتمت عامها الثالث، الأخت الصغرى لبطل العالم السابق في الرماية، سجلت رقماً قياسياً كأصغر رامية بالقوس والسهم، وفقا لموسوعة الهند للأرقام القياسية، فأصبحت أصغر هندية تسجل 200 نقطة في رمي السهام من مسافة خمسة وسبعة أمتار! أما شروتي باندب الطفلة الهندية أيضا التي لم تتعدَّ عمر الست سنوات، والتي تعطي دروساً في اليوغا للكبار في إحدى مدارس اليوغا، بعد أن تلقت دروساً في اليوغا من عمر 4 سنوات، فإن موهبتها الفذة في ممارسة اليوغا أهلتها لأن تكون معلمة بعد عامين فقط!لكن الفنانة الصغيرة روبي ديكنسون- التي تبلغ الرابعة من العمر وموهبتها في مجال فن الرسم- فقد أبدعت في هذا الفن خصوصا الـ«تاتو»، وهي تلقت دروسها بعد انتهائها من الحضانة، وتمرنت على رسم الـ«تاتو» في ورشة والدها.. وهنالك العديد والعديد من مواكب العباقرة الصغار أو أصحاب المواهب المتميزة الذين لم يتعدوا بعمرهم الزمني السبعة أعوام، لكنهم تخطوا بموهبتهم سنوات ضوئية من الإبداع!هذه الظواهر الإبداعية المتنوعة تؤكد الدراسات التي بينت أن نسبة المبدعين الموهوبين من الأطفال من سن الولادة إلى سنة الخامسة تصل إلى نحو 90 في المئة، وعندما يصل الأطفال إلى سن السابعة تنخفض نسبة المبدعين منهم وتصل إلى 10 في المئة، وما أن يصلوا إلى سن الثامنة حتى تصل النسبة إلى 2 في المئة فقط!وإذا تساءلنا لماذا تجف المواهب مع زيادة العمر هكذا؟! سنكتشف أن هناك عدة أسباب تؤدي إلى طمس المواهب، منها المستوى الاجتماعي والثقافي الضئيل للأهل في أصول التربية واحتياجات الطفل النفسية والجسدية والعقلية، كما أن أنظمة التعليم التقليدية المعتمدة على التلقين والحفظ، التي تجمد المواهب والعقول، وتفطمها على البيروقراطية في التفكير، وأسباب كثيرة أخرى كالمستوى الاقتصادي والصحي... وإذا لاحظنا ظروف المواهب التي تستمر في تصاعدها، أو أي موهبة يتم اكتشافها باكراً وتنمى وتثقل مع تزايد عمر صاحبها، نجد أن الأسرة هي النافذة الأولى التي فتحت للموهبة طريقها في سماء الإبداع، وكان لديها الإدراك والوعي لاكتشافها وتوجيهها، وإظهار القدرات والإمكانات بشكل سريع ولافت، فالموهبة تحتاج إلى بصيرة نفّاذة، وقدرة واعية، لتوجيه الإبداع، فالموهبة كالنبتة الصغيرة كلما أحطناها بالرعاية والاهتمام تفتحت وأزهرت وأنتجت أطيب الثمار!وكما قال معاوية بن أبي سفيان: «العقل ثلثه فطنة وثلثاه تفاعل».إن اكتشاف المواهب ورعايتها ليست من مظاهر الرفاهية، بل من ضرورات المجتمعات التي تسعى لأن تكون في المقدمة، وتنشئ جيلاً صالحاً منتجاً، يدفعها لمواكبة التطور بشكل يليق بهذا العصر...«من هو اسعد البشر؟هو ذاك الذي يقدر مواهب الآخرين، ويشاركهم في غبطتهم، كما لو كانت غبطته» جوته.* كاتبة كويتيةAmal.randy@yahoo.com