في العام 2020 أي بعد خمس سنوات فقط من الآن، سيدخل الإنسان صراعاً مع الآلة. فيصبح عقله وجسده وحتى روحه ومشاعره في عهدة تلك الآلة فتتحكم فيها عن بعد...ففي مختبرات وديان التكنولوجيا في العالم المتقدم يتم على قدم وساق التفكير في دمج شرائح ورقاقات ذكية صغيرة جدا وافتراضية من أجل زرعها تحت جلد جسد الإنسان وفي رأسه، كما يمكن أن تكون حاسة البصر مستقبلا هي التي يعتمد عليها الإنسان بواسطة عدسة لاصقة في تحريك أشياء عن بعد والتحكم فيها كإغلاق أبواب أو تشغيل سيارة وقد تستبدل الكتابة بالصوت أو بالعين فقط ليتم القطع تدريجيا مع حاسة اللمس التي تستخدم اليوم مع كل أجهزة الهواتف والحواسيب وغيرها لتكون حاسة البصر هي مشغل منتجات تكنولوجيا الغد.إنها الثورة التكنولوجية التي يتم التجهيز سرا لها في مختبرات غربية من شأنها أن تختطف الإنسان تدريجيا إلى حياة افتراضية بامتياز. ويمكن بذلك أن تتحقق معجزات دخول الإنسان إلى عالم ثلاثي الأبعاد يكتسب فيه مهارات الآلة وتكتسب الآلة تدريجيا ميزات الإنسان باستثناء روحه ليحدث على الأرجح الصراع بينهما أو يحدث التآلف كما توقع مسبقا مؤلف أشهر أفلام هوليوود «ماتريكس» الذي قد يكون واقعا في مستقبل ستسيطر عليه الآلة، لكن المخيف إلى أي مدى سيبقى الإنسان -الذي صنع الآلة وطورها- مسيطرا على الآلة التي تنتجها التكنولوجيات الحديثة. وهل يفوق ذكاء الآلة مستقبلا ذكاء البشر؟ وهل هناك مخاوف من أن تنقلب عليه؟الإنسان حسب ترجيحات تقارير متابعة «مستقبل التكنولوجيا والإنسان» يحتمل أن يكون أكثر من ذي قبل مشحونا بتطبيقات وبرامج ومعلومات رقمية عن بعد دفعت بدراسات علمية نشرتها «بي بي سي» على سبيل المثال العام الماضي إلى توقع مستقبل وجود وتنقل الإنسان في العالم بواسطة «كود» مشفر بدل الاسم لكي تتعرف إليه أجهزة متابعة البشر التي يتم تطويرها والتي حسب مواقع مثل «ثي نيو أميركان» يمكنها دراسة سلوكيات الإنسان من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي ستتمتع به.إلى ذلك فإن شرائح إلكترونية بحجم خلايا الجسم قد تحل محل ذاكرة الإنسان وتزرع في رأسه. ويمكن للإنسان أن يخزن معلوماته ويرتبها وفق برمجية متطورة لا يختلف على أثرها عن الآلة إلا في الروح فقط.وبسبب زيادة شحن جسد الإنسان بالمواد التكنولوجية يمكن أن يتحول إلى أسير لأجهزة المراقبة الحكومية التي يمكنها أن تتبع تحركات وهمسات أي كان بقصد التجسس أو حفظ الأمن أو الحماية. حتى علاج الإنسان يتوقع أن يكون عن بعد بفضل التكنولوجيا وعمله أيضا قد يكون عن بعد فهل ستقل حركة الإنسان بفضل تغول الآلة؟ كما أن هناك هواجس أن يكون مستقبل عصر الإنسان هو الآلة. يذكر كتاب بعنوان «القوى التي ستغير مصير الإنسان» أن «استعمالات الإنسان للتكنولوجيا ستتضاعف أكثر في المستقبل القريب ليستهلك في أغلب حاجاته منتجات تكنولوجية حتى تفكيره وطريقة معرفته للعالم ستكون عن طريق كبسة زر».إلى ذلك فإن طريقة استعمال التكنولوجيات ستكون مغايرة لليوم وستكون باستعمال حواس جديدة للإنسان عدى حاسة اللمس التي تستعمل حاليا لتشغيل أكثر الأجهزة الالكترونية. قريبا سيبدأ الإنسان في التعود على الرحيل إلى الحياة الافتراضية من خلال زيادة معدل أوقات المكالمات والتعاملات والتخزين والعلاقات التي يقوم بها بفضل استخدام التكنولوجيا.إنها معالم الحياة مع الآلة التي يرسمها علماء وديان التكنولوجيا في العالم المتقدم، وقد يكون استعمال تكنولوجيا الآلة بشكل أكبر في المستقبل بمثابة تدمير ممنهج لحواس الإنسان الطبيعية التي ستخترقها التكنولوجيا ليصبح مؤتمرا بأمرها وتكون ردات فعله روبوتية فتجعله يقترب من نسق عمل الآلة.في المستقبل الذي يخفي جنون التكنولوجيا قد يرزح الإنسان تحت ردار افتراضي يرقبه عن قرب، وقد يتحكم في نسق استهلاك الفرد والطفل خصوصا للمعرفة والأفكار والتمييز بين الخير والشر. قد تدخل الآلة إلى غرائز الإنسان وقد تؤدي به إلى تقمص دور الآلة من دون شعور يستهلك ما تنتجه مصانع التكنولوجيا الغربية من دون إبداء أي اعتراض. إلى ذلك قد تدفع التكنولوجيا في المستقبل البعض الآخر إلى العزلة عن العالم الجديد الذي تسوق له هوليوود وهو عالم التأقلم مع الآلة، وتدفع فئة من البشر إلى الهروب إلى الغابات والجبال والوديان لاتقاء شر الآلة والعودة إلى عصور ما قبل التكنولوجيا.وفي هذا السياق قد يمل البعض نسق تدخل التكنولوجيا في الحياة البشرية وقد يعلنون الحرب على كل ما هو مرتبط بالحداثة، ويعود الزمان ببعض الناس بعنف إلى الوراء من خلال لباس وأدوات عيش ونمط حياة لعصور ما قبل التكنولوجيا.خمس سنوات فقط قد تفصلنا عن انكشاف معالم تكنولوجيا المستقبل وتدخلها في حياة الإنسان كما ذكر ذلك تقرير على «تيلغراف» بداية العام الحالي، و حسب التقرير يرجح أن هناك مخططا لدمج وسائل التواصل الاجتماعي والخدمات كلها في نافذة واحدة كما يمكن أن تصبح أغلب الخدمات افتراضية على غرار الخدمات المدنية والمصرفية والإدارية ويصبح التواصل مع الآخر أكثر من اليوم افتراضيا كما أن التطبيقات اليوم التي تعمل بحاسة اللمس في أجهزة الحواسيب والهواتف ستعمل في المستقبل بحواس جديدة لتغزو أكثر عمق الإنسان.ليس بحاسة اللمس ولكن بحاسة الشعور وحرارة الجسم والعين والصوت قد تعمل أجهزة في المستقبل. بذلك ستستنفذ التكنولوجيا استغلال كل حواس الإنسان وصولا إلى الاصطدام بغريزة الحياة أي أن التكنولوجيا قد تطرق أبوابا في الإنسان لا يمكن تصديقها خلال عقدين مقبلين لتتحدى ترهل جسم الإنسان مثلا والشيخوخة. كما أن هناك أبحاثاً تعمل على التدخل في خلايا وأنسجة مرتبطة بشيخوخة جسد الإنسان علما أنها تدخلت سابقا في خلايا تغيير الشكل واللون والبشرة والطول. إن التكنولوجيا ستمتلك كامل الجسد. فهل يستطيع الإنسان بروحه الإفلات منها؟هذه التوقعات ليست من محض الخيال بل هي افكار تتم دراستها في مختبرات الاستعداد للحياة في المستقبل التي ستعرف تطورا تكنولوجيا مبهرا في وسائل التواصل والتعامل والصحة والتعليم والترفيه والحرب والفرح... لكن المشكلة إذا كانت الذاكرة ستوفرها التكنولويجا من خلال شرائح افتراضية فهل سيعول الإنسان فقط على ذكاء الآلة وسيتسخدم حواسيب افتراضية.الفيلم الشهير «ماتريكس» وسلسلة الأفلام الأكثر شهرة في هوليوود للممثل ارنولد شوارزينيغير وهي «تارمينتوتر»، هذه الأفلام التي قدمتها الصناعة السينمائية الأميركية هي في محتواها خيالية لكنها تحاكي واقعا يرجح حدوثه كثيرون في الولايات المتحدة والعالم المتقدم بأن يصير الإنسان مثل الآلة أو يدخل في صراع مع الآلة لكن من ينتصر أخيرا إذا خرجت الآلة عن السيطرة بواسطة الذكاء الاصطناعي الذي يتم الاستثمار فيه.إلى ذلك فإن الآلة في المستقبل ستكون في جوف الإنسان، وستكون على شكل رقاقات وكبسولات قد تشوه إنسانية الإنسان أكثر من مساعدته. ويصير سلوك الإنسان مبرمجا وفقا لمنظومة الكترونية معينة تتطابق مع هوى المبرمج.زيادة تدخل التكنولوجيا في شكل ومضمون حياة الإنسان مستقبلا قد تجعله يودع الحياة البسيطة ويودع وظائفه الإدراكية الطبيعية وقد يشتاق للرومانسية الجميلة، وتصبح أبيات الشعر مرقمة ومشفرة وقد تصبح الموسيقى شرائح في ذاكرة افتراضية وقد تصبح قراءة كتاب من خلال ألواح افتراضية وقد يحن الإنسان وسط زخم الآلة للتأمل في نجوم ليالي السماء.الانسان قد يودع كثيرا من روائع الحياة البسيطة الهادئة حتى يبلغ به الأمر إلى توديع نفسه في زحام صخب التكنولوجيا التي تسللت إلى أغلب جوانب حياته حتى صار البعض بحكم المخطوفين والمدمنين أسيرين لوسائل تكنولوجية تهيمن حاليا على أكثر من ثلثي حياة البعض وتفكيرهم وعملهم وحتى مشاعرهم وأوقات تسليتهم.كان الانسان منذ فترة بسيطة يلاحق صراعات التكنولوجيا الجديدة وما توفره من خدمات تجعله يستغني عن بذل جهد ما، لكنه اليوم بدل المتابعة بات يركض ويلهث حتى يواكب مستجدات تكنولوجيا العصر التي في النهاية أضاعت على الكثيرين اللذة الحقيقية للحياة الطبيعية ودفعتهم دفعا إلى الشعور بالملل والاكتئاب أكثر من أي وقت مضى لكون المتعة التي صنعتها خرافة التكنولوجيا هي متعة وقتية سرعان ما تزول عندما تنتهي صلاحيتها ويتم اختراع بديل متطور عنها تتعلق به قلوب الناس لفترة ثم يدمن البعض عليه حتى يفقدوا إحساس التمتع بسيرورة الحياة الطبيعية.وكلما زاد استهلاك البعض لمنتجات التكنولوجيا زاد فقرهم المعرفي بأساسيات الحياة ومعانيها الأصيلة واقتربوا أكثر لكائن -الروبوت الاصطناعي- وكلما زاد تعاطيهم للتكنولوجيا زادت حدة المزاج لدى الكثيرين اليوم لأن التكنولوجيا مثل المخدر تصنع وهم اللذة وتكون ردة فعل فورية سرعان ما تتلاشى اذا بطل مفعول المخدر، ويصبح الإنسان بذلك عصبيا مدمنا. حتى إن ضحك وغضب البعض أصبحت وسائل التكنولوجيا-الخاصة بالترفيه- تتدخل فيهما لأن ملايين البشر نقلوا أجزاء كبيرة من حايتهم الشخصية إلى العالم الافتراضي الذي رحب بهم في البداية ثم سيطر عليهم وحبسهم في سجن من دون معالم للخروج منه.كل هذه الحاجات الإنسانية أصبح الإنسان يعتمد فيها على التكنولوجيا وأصبح بذله لأي جهد يصبح ثانويا وليس أساسيا. تقلص بذل الجهد وعدم الإحساس بالحاجة إلى التعب من أجل تحقيق إنجاز أو عمل أو معرفة أو هدف، أمر أصبح يقتل شيئا فشيئا غريزة البقاء الطبيعية ورغبة المتعة بالحياة وأصبح الكثير من الناس يشعرون بقلق واكتئاب على الرغم من أن الحياة أصبحت خدماتها أسهل من ذي قبل. إلا أن نسق تسهيل الحياة الذي توفره التكنولوجيا المعاصرة يعتبر ضد التطور الطبيعي لمراحل حياة الإنسان. حيث إن تركز معلومات كثيرة في عقل الأطفال اليوم يجعلهم يدركون قبل أوانهم ويجعلهم يفقدون الإحساس بالتطور الطبيعي لمراحل الإدراك والمعرفة بالعالم والحياة.
متفرقات - قضايا
دراسة تكشف أبعاد تداعيات التطور التكنولوجي على حياة البشر
التكنولوجيا سر سعادة الإنسان ... متى تكون أداة لتدميره؟
02:42 م