يقول الفرنسي موليير إنّ «مغزى الكوميديا هو إصلاح الإنسان عبر إمتاعه»، والحقيقة هي أنّ هذه المقولة تضع – إلى درجة بعيدة – الكوميديا في علاقتها بالجاد والرصين عبر البحث في وظيفتها الأخلاقية، كما أنها تشير ضمنياً إلى قيمة الكوميديا وسموها حين تنير جانباً مظلماً من حياة الإنسان بمشعل وقوده المضحك بتجلياته المتنوعة.وعبر هذا المفهوم المبسط لإحدى وظائف الكوميديا وطرائقها، يمكن الولوج إلى العرض المسرحي «ماما ميا» الذي قدمته فرقة «جمعية المسرح الأكاديمي بالمنستير» التونسية على خشبة مسرح «حمد الرجيب» في المعهد العالي للفنون المسرحية ضمن فعاليات مهرجان «الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي» بدورته الخامسة.استند العرض إلى نص مسرحي معد وفق مفهوم التأليف الجماعي «دراماتورجيا جماعية»، وتدور أحداثه داخل مطعم من مطاعم الدرجة الأولى، وتحديداً في مطبخ ذلك المطعم الذي يقبع في قبو المبنى، وها هو كبير الطهاة الذي جسد دوره الممثل زياد عبد الجليل يهمّ بالاستعداد لاستقبال ليلة استثنائية في ذلك المطبخ حيث الموعد هو رأس السنة، ليس ذلك فحسب لكنها ليلة سيحضر فيها جملة من رجال الدولة والوزراء وكبار المسؤولين إلى جانب رواد ذلك المطعم من أبناء الطبقة العليا. وبمعية الطاهي نجد شخصية النادل التي جسدها الممثل نضال السهيلي التي تظهر معه طوال الحدث المسرحي، وهما بالنسبة إلى صاحب المطعم صفوة عماله، فقد أوكل لهما مهمة إدارة المطعم في تلك الليلة الخاصة.عبر الأحاديث التي تدور بين النادل والطاهي، نجد أنفسنا في مواجهة واقع يعكس حالة من التمايز بين طبقتي مجتمع واحد تكشف عن حالة من الاستغلال والتهميش والحرمان الموجه نحو الطبقة الكادحة.إنّ المضمون الجاد والواقع المرير الذي يكشف عنه العرض المسرحي يظلّ مغلفاً على الدوام بالسخرية اللاذعة وخاضعاً لمفهوم المفارقة الدرامية، وهو ما يجعل الحدث رغم مأسويته في مأمن من تسلل المرارة والاحتقان والحدة إليه، خصوصاً في الخطاب الذي يبدأ به العرض، حيث يرتجل الطاهي من وراء منصة إعداد الطعام خطاباً حماسياً يعلن فيه استعداده لإنجاز المهمة الجسيمة التي تنتظره ويشحذ همم جملة الطباخين لأن يشاركوه برفع العزائم والاستعداد للتحدي والنضال، فيصف ذلك اليوم بالعظمة من حيث هو «يوم التين الشوكي والبوصاع»، ويحثّ رفاقه على التلاحم كـ «الطاجين» كي يبقوا جميعاً في ذاكرة التاريخ النضالي المشرف.إن الطاهي بشخصيته الساخرة يستدعي نماذج نمطية من الكوميديا في أطوارها العديدة، مثل الطاهي سيكون في كوميديا «ديسكولوس» لميناندر على سبيل المثال، لكنها إذ تظهر هامشية في الكوميديا التقليدية تبدو لنا في هذا العرض في موقع الصدارة.ما إن يصل النادل حتى يشرع الاثنان في الحديث حول ما سيفعلانه لكي ينجزا المهمة وفق أوامر صاحب المطعم التي يحملها النادل، ويحثّ الطاهي على تطبيقها بحذافيرها، ومع وصول الضيوف إلى صالة المطعم في الطابق الأعلى يستشعر الطاهي أنه يعمل بما يتجاوز طاقته على نحو يبرز استغلال الطبقة العليا له واستنزافهم لقدراته من دون مبالاة بما يصيبه، لكن تزايد الطلبات من الطابق العلوي وعبثيتها وتجاوزها حدود المعقول يستفز الطاهي، ويولد لديه وعياً بحتمية ثورته التي ينجح في إشراك النادل فيها ليعلنا سوياً مع نهاية العرض ثورة تنطلق من ذلك المطبخ الصغير مشفوعة بدعوة للثورة في كل المطابخ.إن الرؤية التي أراد مخرج العرض بسام حمامة التأكيد عليها هي فكرة الثورة في هذا الصراع الطبقي الانتهازي تستهدف بالدرجة الأولى تحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية، وهو في ذلك يستثمر جملة عناصر العرض للتأكيد على ذلك، فنجده يصوغ سينوغرافيا العرض وفق دلالات لونية قاطعة عبر استخدام اللونين الأسود والأبيض لتشكيل عناصر المنظر المسرحي التي انحصرت في منصة إعداد الطعام بمكعبات من الأسود والأبيض تتوسط الخشبة إلى جانب ستائر ظليه على الجانبين يعلوها ذات التشكيل اللوني، بينما امتلأ السقف بأواني الطبخ التي تتدلى على نحو يوحي بأن سقف طموح العاملين في هذا المطبخ مقدر بتلك الأواني وأدوات الطبخ.وظّف العرض إجمالاً حركة الممثلين بحيث تملأ الفضاء المسرحي خصوصاً في المشاهد التي تضم حركة الممثلين السريعة بين طرفي الخشبة، وهو أمر ساهم في ضبط إيقاع العرض المتسارع معتمداً في الكثير من الأحيان على الإيقاع الموسيقي المؤلف من أصوات قرع الأواني المعدنية، وهو في ذاته معبراً عن المكان المسرحي ومنسجماً مع طبيعة الحدث.بالرغم من بعض الملاحظات التي يمكن أن يشار إليها في هذا العرض مثل الاستخدام المفرط للإضاءة المتقطعة، وبعض الملاحظات المتصلة بأداء الممثلين، وكذلك سرد وتلخيص حدث المسرحية في النهاية من دون ضرورة لذلك، فإن العرض في جملته جهد يستحق التحية وتجربة ذات قيمة على المستوى الفني والفكري، إذ إنه نجح إلى حد ما في أن يصدر رسالة ودعوة للإصلاح في قالب لا يخلو من الفرجة المسرحية الممتعة.* أستاذ النقد والأدب المسرحي
فنون - مسرح
ضمن فعاليات «الكويت الدولي للمسرح الأكاديمي»
«ماما ميا»... معالجة درامية ساخرة لصراع الطبقات
10:11 م