| القاهرة - من أغاريد مصطفى |

يردد المصريون دائما أمثالا شعبية تلامس واقعهم، وتتقاطع معه على غرار: «أكل العيش... مر»، «أكل العيش... يحب الخفية»، أي الهمة والنشاط، وهذا ما ينطبق تماما على أم باسم باعتبارها أول سيدة مصرية، تقتحم مجال «السباكة»، وهي مهنة شاقة ومرهقة ومتعبة.أم باسم التي أنهت عقدها الخامس قبل 4 أعوام تبدو متصالحة مع نفسها، وراضية بمهنتها التي اختارتها بإرادتها، وتحدت من سخروا منها في البداية، كما أنها سعيدة بعملها، ولا تجد حرجا منه، حتى إنها رشحت إحدى حفيداتها لتخلفها في مهنة السباكة.البدايات لم تكن تعبر يوما عما وصلت إليه أم باسم فقد حصلت على دبلوم تجارة وعملت في وظيفة مكتبية في بنك مصر، وتحديدا في قسم الأمانات، ثم طارت إلى الكويت، وأقامت فيها 10 أعوام، عملت خلالها سكرتيرة في شركة سيارات.أم باسم قالت لـ «الراي»: «إنها عادت إلى القاهرة في العام 1989، وعاشت محنة الانفصال عن زوجها، وحاولت إنشاء مشاريع خاصة صغيرة، ولكنها لم تكن موفقة، وعندما علمت بتنظيم دورة لتعليم السباكة في حي الدرب الأحمر في القاهرة حيث تقيم ولّت وجهها شطر المسؤولين عنها وطلبت تسجيل اسمها، فوافقوا بعد إلحاح منها، لأنه لم يكن مسموحا بإشراك النساء بها، كونها مقصورة على الرجال فقط، وبالفعل اجتازت أم باسم الدورة بشقيها النظري والعملي، بنجاح فاق أقرانها من الرجال، لتتخذ قرارا باحتراف هذه المهنة الذكورية، غير مبالية بعبارات الاستهجان والسخرية التي كانت تنهال على مسامعها».وكما قالت: فلم يمض وقت طويل حتى قدمت أوراق اعتمادها كسباكة محترفة في الحي الذي تقيم فيه، وأصبح لها زبائن حريصون على الاستعانة بخدماتها في معالجة مشاكل السباكة، وبالرغم من الإقبال الهائل عليها إلا أنها لم تبالغ يوما في أجرها، مثلما يفعل السباكون الرجال وهو ما رفع من أسهمها كثيرا وجعلها (مطلوبة) بالاسم.ولا تنفي أن ذويها وأولادها - تحديدا - كانوا غاضبين من احترافها مهنة السباكة، حتى إن ابنتها الطالبة الجامعية ظلت تبكي في بادئ الأمر اعتقادا أن مهنة أمها سوف تسيء إليها وسط أقرانها من الطلاب وراحت تشق طريقها، بعدما تجاوزت الـ 50 عاما في عملها الذي تعلمته وأحبته، وأصبح يدر عليها مالا كثيرا يكفي أبناءها الثلاثة ومصاريفهم.المدهش أن أم باسم لم تكتف بما فعلته في الدورة، بل راحت تطور نفسها، وتكتسب المزيد كل يوم في مهنتها، وتتابع كل جديد في عالم الأدوات الصحية ومقاساتها، حتى لا تبدو يوما أمام زبائنها مقصرة وغير متابعة.غير أنها لا تجد أدنى صعوبة في مهنتها الشاقة سوى تكسير الحوائط الخرسانية، وهو ما يجبرها دائما على الاستعانة بشاب مفتول العضلات، لإنجاز تلك المهمة.أم باسم التي رشحت إحدى حفيداتها الثلاث، لتخلفها - بعد عمر طويل - في مهنتها. لا تبغي في دنياها سوى الستر ودوام العافية والتوفيق في عملها.زبائن أم باسم كُثر، ومعظمهم من النخبة المثقفة الطبيب والمهندس والمدرس وجميعهم أثنوا على إخلاصها ومهارتها في عملها، وقالوا لـ «الراي»: «إنها امرأة بـ 100 رجل».