في الوقت الذي كان وفد الكويت يفند أمام الأمم المتحدة الأسبوع الماضي أي اتهامات ببلاد تتعلق بحقوق الانسان، ويؤكد التزام الكويت بالعمل على حماية وتعزيز وصون حقوق الانسان على المستويات الوطنية والاقليمية والدولية، وفيما تتعالى الأصوات الرسمية والشعبية رافضة أي اتهامات قد توجهها تقارير دولية عن حقوق الانسان واتجار بالبشر في الكويت، وفي انتظار انتهاء اللجان التشريعية البرلمانية من مناقشة مواد قانون العمالة المنزلية الجديد، برزت في الآونة الأخيرة «سوق» رائجة لـ «البشر» في الكويت، وتحديداً للخدم والعمالة المنزلية.هو «اتجار بالبشر» كامل المواصفات بيعاً وشراء يحدث هنا في الكويت، بلا رقيب أو حسيب، فيما الأصوات تتعالى أمام العالم الخارجي بالتأكيد على محاربة الكويت لهذه الجريمة.لا يتعلق الأمر هنا، بقضية الخدم التي أُشبعت بحثاً والمتعلقة بالاستقدام والكفالة وما يعرف بالخدم «المرتجع» وما تحمله من مشاكل، لكنها تتعلق بـ «تجارة» حقيقية بالخادمات وعرضهن لـ «للبيع» من كفيل لآخر، خارج إطار المؤسسات والقوانين بشكل مطلق. وقد تكون التقارير الدولية عن الكويت حول «الاتجار بالبشر» دقيقة وصحيحة جداً في هذا المجال من حيث غياب الرقابة الفاعلة والإجراءات الرادعة.وإذا كان بعض مكاتب استقدام العمالة المنزلية، يتعامل مع الخادمات وإعادة تصريفهن من باب «الحل الودي» مع الكفيل ومحاولة إيجاد عمل آخر للخادمة نفسها، فإن البعض الآخر اتخذ من «الخدم المرتجع» وسيلة لزيادة أرباحه على حساب الكفيل والخادمة معاً.أما الطامة الأكبر، فهي «تجارة» الأفراد مواطنين ومقيمين بهؤلاء البشر الذين أطلق عليهم «الخدم»، فبات كل شخص لديه خادمة يعرضها «للبيع» وإذا أراد أن يكون لطيفاً لـ «التنازل»، بأسعار خيالية تفوق بأضعاف تكلفة استقدامها الأساسية من دون أي وازع أو رادع.[92f167a0-c56d-4561-aa8e-7478eb8bb843]وتحت عنوان «خادمة للبيع» أو «فيليبينية للبيع» أو «للبيع خدامة نيبالية» أو «للبيع عاملة منزل» وغيرها، تمتلئ بعض مواقع التواصل الاجتماعي بهذه الإعلانات أمام أعين المسؤولين من دون أي ضوابط أو رقابة أو مسؤولية.وعلى هذا المنوال أصبحت «التجارة» بالخادمات «مشروعاً» استثمارياً لكثير من المواطنين وغير المواطنين أيضا، الذين باتوا يستقدمون الخدم ليس للحاجة إليهم وإنما لـ«بيعهم»، ومن يستقدم خادمة للعمل لديه بات غير مهتم في حال لم تعجبه أو طلبت العودة إلى مكتب الاستقدام، فلا يكلفه الأمر أكثر من إعلان «تجاري» على أحد مواقع التواصل الاجتماعي لـ«بيعها» علناً إلى من يبحث عن خادمة ويحتاج إليها فوراً وبسعر يضمن له «شراء» خادمة ثانية وثالثة ايضاً.[e45765eb-50a3-44e8-b92d-0c20628be8f3]ويذكر ان وزارة الخارجية الأميركية صنفت الكويت العام الماضي ضمن «الفئة 3» في تقريرها عن الاتجار بالبشر، واشارت إلى إخفاقها في حماية ضحايا الاتجار بالبشر وفي مُلاحقة المُتاجرين بالبشر قضائياً.«الراي» جالت في «السوق» الافتراضية لـ «بيع وشراء» الخادمات مستعرضة الإعلانات المنشورة في هذا الصدد التي لا تختلف عن إعلانات تجارية لبيع وشراء أغراض وسلع، حتى يخيل للمتصفح وكأنه يشتري سلعة ويشاهد إعلاناً عنها لا عن بشر.وغالبية الإعلانات إن لم تكن جميعها تحمل أرقام هواتف تعود لأشخاص، وتحت مبررات شبه متطابقة يكتب سبب «بيع» او التنازل عن الخادمة، فيكون إما بسبب «عدم الحاجة» وإما «وصول الخادمة القديمة» وإما «بسبب السفر» وإما «عدم القدرة على راتبها» وغيرها من أسباب في الغالب غير حقيقية أو غير واقعية.ويلفت في هذه الإعلانات لـ «بيع» الخادمات، ما يشير إلى خادمة «توها واصلة» أو «تصل اليوم» في إعلان صريح وواضح ومباشر على «التجارة» بهؤلاء البشر، فإذا كان «التنازل» عن الخادمة أو بالأحرى «بيعها» كما تشير الإعلانات لماذا تم طلبها أو استقدامها أصلا؟ وما السبب الذي يدفع مواطنا أو مقيما إلى عرض الخادمة «للبيع» بدل إرجاعها إلى مكتب الاستقدام طالما لديه الحق القانوني بذلك خلال 100 يوم من وصولها؟ لا سبب واضحاً يبدو غير «التجارة» والسعي لتحقيق أرباح من وراء عمل غير قانوني ومرفوض.[08a9f818-5871-4698-949b-6ad41c172e79]وكما الإعلانات الترويجية لأي سلعة أو بضاعة، تتضمن إعلانات «بيع وشراء» الخادمات عبارات عدة تحاول أن تغري من يحتاج فعلاً إلى خادمة كالإشارة إلى انها «تعمل لأول مرة» أو «تجيد الاهتمام بالأطفال» أو «تجيد بعض الأكلات الكويتية» أو «تتكلم اللغة الانكليزية»، وهي في الغالب مواصفات مثالية يرغب بها ويبحث عنها الساعي لخادمة تستمر بالعمل في منزله.وتختلف شروط «البيع» من «تاجر» لآخر، حيث يشترط البعض «عدم التجربة نهائياً» وتسلم المبلغ كاملاً قبل تسلم الخادمة، فيما يسمح البعض بـ«التجربة ليوم واحد»، ويتنازل البعض الآخر بأن يرضى بـ «عربون» ريثما يتم تحويل إقامة الخادمة على كفالة «الشاري»، بينما يتمسك البعض بـ«السعر» الذي حدده في إعلانه باشتراط «عدم المساومة» والإشارة إلى ان «السعر نهائي».وفيما تبلغ تكلفة الخادمة عبر مكتب الاستقدام نحو 800 دينار في المتوسط، يصل «سعر» الخادمة المعروضة «للبيع» عبر الإعلانات إلى 1500 دينار في بعض الأحيان ولا يقل في غالبية الأحوال عن 1200 دينار، فيكون هامش الربح بذلك 50 في المئة من تكلفة الاستقدام على أقل تقدير.[4a227792-1a70-4040-a6b9-8eb2685b033a]وفضلاً عن «التجارة» الفردية بخادمة واحدة او اثنتين، تبين ان البعض اتخذ ذلك مهنة له بوضع اعلانات تحمل أسماء مكاتب وهمية، تشترط توصيل الخادمة إلى المنزل لمن يرغب بشرائها مع الدفع الفوري واعطاء كفالة الـ 100 يوم القانونية، ولكن بلا عقد رسمي مباشر، بينما في الحقيقة تكون الكفالة على مكتب استقدام آخر وللكفيل الذي استقدمها في الأساس، ليتضح ان الأمر برمته «تجارة بالباطن» ولا وجود حقيقيا للمكتب الوسيط بل هو مجرد شخص او آخر يستقدمهم خادمات من مكاتب رسمية على كفالتهم وكفالات أصدقائهم ليتم «بيعهن» فور وصولهن بل وقبل ذلك أحياناً وتحقيق أرباح خيالية شهرياً من وراء ذلك.وفي الوقت نفسه، قد يتبادر إلى الذهن أسئلة عن اسباب رواج «سوق» الخادمات وإقبال الكثيرين على «الشراء» وفق إعلانات لا تحفظ لهن أي حقوق. الجواب يعود بالطبع إلى حاجة أسر كثيرة لخادمة بشكل فوري وعدم القدرة على الانتظار فترة شهرين في المتوسط لوصول من يتم طلبها عبر مكتب استقدام خدم شرعي، وتدفع الحاجة الملحة هنا الأسر إلى الرضوخ لشروط «تجار» البشر والأسعار التي يفرضونها في «السوق».والتحول الكبير الملحوظ في عرض اعلانات الخدم يبدو في مفهومه مقبولا لخدمة بعض الأسر من أجل الحصول الفوري، لكن في أبعاده وأسلوبه فهو يؤسس لظاهرة سلبية ومهينة لتوظيف الخادمات بعرضهن في «سوق» والمضاربة على سعرهن بقصد التجارة والربح ليس إلا. وهذه الظاهرة قد تكبر وتكبر مع اقبال الكثيرين عليها وقد تتحول الخادمة الى مجرد سلعة تباع وتشترى اكثر من مرة، وهو الأمر الذي نبهت غير مرة له تقارير دولية عدة تعنى بحقوق الانسان وحقوق العمالة المنزلية.ومما لا شك فيه ان ثقافة تسهيل تقديم الخدمات في الكويت يجب ان تفرق بين السلعة والانسان، فالحصول على خادمة يجدر ان يكون بطريقة مشروعة عبر التعاقد عن طريق مكتب مرخص بعلم الهيئات الحكومية بما يضمن حقوق جميع الأطراف، خصوصا ان الكويت تسعى دائماً لتحديث لوائحها وقوانينها بما يلبي متطلبات حقوق الإنسان، لكن مثل هذه الممارسات (بيع وشراء الخدم والاتجار بهم) من المؤكد انها تسيء لسمعة الكويت في العالم. كما انها قد تكون مبرراً شرعياً لدى بعض الدول التي باتت تطلب الحصول على ضمانات مختلفة لعمالتها في الكويت، كالسفارة الهندية التي اشترطت ضمانة مالية لحفظ حقوق عمالتها المنزلية خصوصا وبررت ذلك بتعرض بعضها إلى تعسف وسلب للحقوق.ولا تتوقف قضية «بيع وشراء» الخادمات عند الأبعاد القانونية والانسانية المتعلقة بحقوق الإنسان وسمعة الكويت، بل تحمل في طياتها ما هو أخطر من ذلك ويتعلق بالخادمات أنفسهن في المنازل في ظل الأحداث الكثيرة التي تسجل من هروب وجرائم قتل ومحاولات انتحار لعاملات المنزل وفي الغالب تكون الأسباب مجهولة.وتشير المعطيات إلى ان الكثير من خادمات المنازل لذن بالفرار والهروب سواء داخل الكويت أو السفر، وبعضهن لجأن الى الانتقام من ظروف قاسية دفعت عددا منهن في السنوات الأخيرة الى الانغماس في اعمال اجرامية كالقتل أو الهروب من البيت لممارسة اعمال الرذيلة والأعمال غير المشروعة.وحسب التقارير الأمنية المنشورة تباعا في العام الماضي، فإن عدد المتحصنات بالفرار والمختفيات عن أنظار السلطات في تزايد.ويذكر ان أحداثا أليمة عاشتها أسر كويتية بعد مقتل اكثر من ضحية على يد عاملة منزلية. ويكمن الخطر كل الخطر ان العائلة قد تأتمن على اولادها خادمة لا تعرف عن سلوكها وطباعها شيئاً في ظل رواج ثقافة «التجارة» والتجربة ليوم أو يومين لخادمة من المفترض انها ستقضي سنتين على الأقل في منزل الأسرة. ومما لا شك فيه ان من تجد نفسها ضحية تجارة للربح لن تكون أي أسرة في مأمن من سبب قد يدفعها للانتقام بشكل أو بآخر.«بيع» و«شراء» الخادمات في الكويت أو بمعنى أكثر وضوحاً وشفافية «الاتجار بالبشر»، قضية تضعها «الراي» على طاولة المسؤولين المعنيين، ليس للبحث عن حلول، بل لإعلان الحرب على قضية مرفوضة شرعاً وشرعياً واجتماعياً وقانونياً من مختلف الجهات.ولا تقع المسؤولية هنا على الجهات الحكومية فقط، بل على المجتمع ككل، مسؤولين وهيئات حكومية وجمعيات أهلية ومواطنين ومقيمين لاستئصال هذه الثقافة غير المقبولة، والعودة إلى اتباع القوانين والإجراءات التي يجب السير وفقها في دولة تحترم وتنادي بحقوق الانسان، وأقرت قانوناً خاصاً لـ«مكافحة الاتجار بالبشر» قبل عامين في خطوة جديدة لحفظ حقوق العمالة، واشتمل على عقوبات مشددة تصل إلى الحبس لمدة 15 سنة والحبس المؤبد للذين يثبت تورطهم في مثل هذه الجرائم وهي توازي العقوبات الواقعة على الجرائم الكبيرة.
متفرقات - قضايا
1500 دينار سعر الخادمة «غير قابل للمساومة»... «توها واصلة»
بيع وشراء وإتجار بالبشر... في الكويت
07:46 م