عند النواصي يتفرق الإنسان وربما يتجمع... لكنه لا يستمر كما هو... عرفت النواصي قائمة ومولية ومعلقة...رغم أنني نزلت عندها كثيرا ومازلت،? ?رغم أن الوصول إليها منفرج وتحقق وقربي،? ?رغم أنني لم أعرفها إلا صباحية أو? ?غسقية،? ?فإنني عند استعادتها أو النطق بحروف اسمها لا أراها إلا معلقة،? ?غير متصلة بما يليها من أرض أو ما يسبقها?.?أجدها منخفضة،? ?واطئة رغم أنها مشرفة،? ?متطلعة إلى الدرب الذي مهدته الأقدام عبر مئات السنين،? ?يميل إلى أسفل،? ?يعبر الهدب الذي يمتلئ بمياه الفيضان،? ?الدميرة،? ?لا يمكن الوصول إلى بيوت الربع، التي تلي ماكينة طحين الحاج محمود أحمد، ذات البكات الشهية في أمثالها، والتي استمرت تتردد عندي حتى بعد اختفاء النوع كله.غير أنها لاتزال مسحومة،? ?سارية،? ?ليس في الفراغ? ?المؤدي إنما في الأفئدة العالقة أو المتفرقة في حنايا اللا وجود العصي على الجمع،? على الإدراك،? ?أولئك الذين لايزالون يسعون مثلي أو أتموا الدائرة وصاروا إلى ما لا يمكن بلوغه،? ?هنا ترعة ألبير مجرد ذكرى،? ?مجرد نتفة،? ?فقط جزء من كل?.??مجرد علامة على الطريق الترابي الواصل بين طهطا وسوهاج، جنوب مصر مقربا بين قرى الغرب المشرفة على الصحراء المؤدية إلى الجبل، حيث مغارات المساخيط، والكهوف ذات الألوان والحرفة الغامضة، التي ينقل منها الشيوخ ومحترفو السحر والتعاويذ،? ?ليعمروا الأحجبة والأعمال المستعصية على الإدراك، لمن لا يعرف أسرارها وما جرى عندها.غير أن المعمرين يبتسمون وأطياف من السخرية تدرك ملامحهم،? ترعة ألبير ليست نقطة مجهولة، إلا عند النقطة والمركز، ومن ثم المديرية.?اسألوا أهل الذكر،? ?هكذا يقول الحاج محمد أحمد الذي يلفظ الكلام مرتبا ومنطقيا.فيشير إلى من ولد ورحل وإلى من توقف وآثر البقاء في جهينة رغم صعوبة ذلك وإلى من جاء ليعلم ويشرح الدروس في الجامع،? ?في اليوم الأول لوصوله ذرف الدمع.وذكر الأهل كثيرا وسأل عن مكان إرسال البريد وتشييع التلغراف،? غير أنه عند نقله،? ?خروجه إلى ترعة ألبير وحوله عدد من وجهاء الربع ينهنه على الأيام التي قضاها،? ?على الوقت الجميل الذي التقى فيه بالخلق الطيبين.?لذلك يقول أهل جهينة على الأرباع كلها?: ?من خدم عندنا يجيء باكيا لغربته ويفارق باكيا لانتهاء ألفته... لا تبقى منه إلا السيرة والآثار الطيبة.الإنسان سيرة كما أكد مرارا الشيخ الملواني، الذي جاء من أقصى الشرق يسعى وعندما بلغ? ?ترعة ألبير زعق?: «هنا،? ?وأرسى سعيد».?جاء إليه الكثيرون،? ?حتى الشيخ عبداللطيف محمد علي ناظر المدرسة تلو الآخر،? ?بعد عودته إلى المسجد الملاصق لدار العمدة الشيخ صالح قال فيما يشبه الحكم?: ?«هذا الرجل سيخرج ملاقيا ربه من هنا?».?اعتبر ذلك ميثاق أمن وأمان،? ?هكذا نصب عشته من البوص تحت الطريق المرتفع والذي يسميه الخلق هنا بالجلسة أحيانا لكنهم سرعان ما يرتدون إلى الأصل،? ?ترعة ألبير،? ?لم يدخل العشة أحد،? ?ولم يصدر عنها صوت? ?غير زعقات صاحبها الذي لم يعرف أحد مصدره.خصوصا أنه لم يأت من الغرب عبر الصحراء،? ?إنما جاء من بحري?، ?من الشمال.اعتاد القوم مجيء الرجال وأحيانا النساء من جهة الغرب،? ?يخرجون من قراهم في جبال الأطلس أو الوديان العميقة التي تتخلل جبال الريف، قاصدين الأراضي المقدسة للحج،? ?ستة شهور للذهاب وستة للعودة،? ?خلال الطريق الطويل يتخلف البعض،? ?إما لعدم القدرة واما لنشوء صلات لم تكن في الحسبان منها الزواج.