«إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع وإنا على فراقك يابن عبدالعزيز لمحزونون»، اقتباس مشروع من دعاء حبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- نستشهد به اليوم بعد أن فقدت أمتنا الاسلامية والعربية أبا وأخا وصديقا، قبل أن يكون ملكا وقائدا فذا قل الزمان أن يجود بمثله، إنه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، ذلك الملك الذي رحل في حين غفلة عن دنيانا، فأصابنا بالألم لأننا فقدنا برحليه ملكا شهد الجميع أنه كان من أكثر حكام العرب قربا للعرب والمسلمين، وأكثر الرجال كرماً وانسانية وأحرصهم على السلام.لم يفقد فقط الشعب السعودي قائد مسيرته الذي بايعه في 1 أغسطس 2005 على السمع والطاعة والإخلاص والولاء في السراء والضراء، ووقفوا صفاً واحداً مع قيادتهم لبناء دولتهم وحمايتها وصون ثراها الطاهر بل فقدته الأمة والعالم أجمع قائدا حكيما وملكا عرف كيف يساهم في نهضة وطنه.وعندما نستعرض سيرة الملك الراحل فإننا نتحدث عن عهد اتسم بسمات حضارية رائدة جسدت ما اتصف به رعاه الله من صفات متميزة، ومن أبرز المنجزات التنموية التي تحققت في عهده على امتداد أنحاء الوطن، القرارات التي اتخذها في سبل تحسين المستوى المعيشي للمواطنين، ودعم المخصصات للقطاعات الخدمية، إضافة إلى دوره الرائد في خدمة القضايا الإسلامية والعربية، وإرساء دعائم العمل السياسي الخليجي والإسلامي والعربية والدولي، وصياغة تصوراته والتخطيط لمستقبله، ودوره في تأسيس الحوار العالمي بين أتباع الديانات والثقافات والحضارات.نشأ المغفور له الملك عبدالله نشأة عربية اصيلة في بيت قيادي، وتلقى تربيته الاولى على يد والده المرحوم جلالة الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود مؤسس المملكة العربية السعودية، ووعى في سنواته الاولى عنف الاحداث في شبه الجزيرة العربية في ذلك الوقت، فرافقت طفولته وصباه الصفات العربية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، لذلك ليس غريبا ان يحمل في اعماق نفسه تلك المزايا العربية والتي في مقدمها الشجاعة وقوة الارادة والنبل وطهارة النفس والحلم وحدة الذكاء والايمان العميق بالقيم المثلى الى درجة التضحية، كما ان ثقافته الدينية والايمان الصافي احاطت به في بيئته وفي مدرسته من خلال أسرته ومعلميه ومجتمعه، فنشأ صافي العقيدة يدرك جوهرها ويلتزم بتعاليمها.ونهل المرحوم الملك عبدالله بن عبدالعزيز من مدرسة والده ومعلمه الأول الملك عبدالعزيز وتجاربه في مجالات الحكم والسياسة والادارة والقيادة الى جانب ملازمته لكبار العلماء والمفكرين الذين عملوا على تنمية قدراته بالتوجيه والتعليم أيام صغره، فقد كان رحمه الله حريصا دائما على التقاء العلماء والمفكرين وأهل الحل والعقد سواء من داخل المملكة أو خارجها.وسيظل العام 1962 محفورا في ذاكرة المملكة العربية السعودية لأنه العام الذي تسلم فيه الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رئاسة الحرس الوطني الذي كان يضم في مطلع تكوينه آنذاك أبناء الرجال الذين عملوا وأسهموا مع قائدهم الملك عبدالعزيز فى توحيد وبناء المملكة العربية السعودية وكان لتحمل مسؤولية هذه المؤسسة العسكرية دورها الفعال في تطويرها وتحديثها.وفي 1975 أصبح نائبا ثانيا لرئيس مجلس الوزراء ورئيسا للحرس الوطني، وفي يوم الاحد 1982 بويع وليا للعهد من قبل أفراد الاسرة المالكة والعلماء ووجهاء البلاد وعامة الشعب السعودي وفى مساء ذات اليوم صدر أمر ملكي بتعيينه نائبا لرئيس مجلس الوزراء رئيسا للحرس الوطني بالاضافة الى ولاية العهد.وقد أولى الملك عبدالله بن عبدالعزيز العلم والثقافة في المملكة العربية السعودية اهتماما واضحا فكان من نتاج ذلك أن أسس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض كما أسس شقيقتها الاخرى في الدار البيضاء في المملكة المغربية الشقيقة كما أنشأ المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي يقام سنويا في الجنادرية ويستقطب العلماء والأدباء والشعراء والمفكرين من العالم.أبرز إنجازاتهلعل من أبرز ما ميز سنوات حكم الراحل الملك عبد الله الكم الهائل من المشروعات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية العملاقة التي اختصرت الزمن وسابقت الخطط والاستراتيجيات لتقف المملكة على رأس هرم الدول التي تجاوزت حدودها التنموية حسب إعلان الألفية للأمم المتحدة عام 2000، كما أنها على طريق تحقيق عدد آخر منها قبل المواعيد المقترحة.وتميزت تجربة المملكة العربية السعودية في عهد المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بالسعي نحو تحقيق الأهداف التنموية للألفية وجعلها جزءا من الخطاب التنموي والسياسات المرحلية وبعيدة المدى للمملكة، فدخلت المملكة العربية السعودية ضمن العشرين دولة الكبرى في العالم، حيث شاركت في قمم العشرين التي عقدت في واشنطن ولندن وتورنتو.وتمكن الراحل خادم الحرمين الشريفين بحنكته ومهارته في القيادة من تعزيز دور المملكة في الشأن الإقليمي والعالمي سياسياً واقتصادياً وتجارياً، وأصبح للمملكة وجود أعمق في المحافل الدولية، وفي صناعة القرار العالمي، وشكلت عنصر دفع قويا للصوت الإسلامي والعربي في دوائر الحوار العالمي على اختلاف منظماته وهيئاته ومؤسساته.واتسمت فترة حكم العاهل السعودي الراحل بإنجازات ومكتسبات شملت كل ركن من أركان المملكة وكل فرد من أفرادها، وحازت مراتب عالمية متقدمة حيث توالت الإنجازات تلو الإنجازات في مسيرة التطور والنجاح لمصلحة البلاد ورفاهية مواطنيها، وتجسدت في السعودية ايام الملك الراحل أسمى ملامح التلاحم، وسادت بين الشعب وقيادته روح المحبة والتفاهم.وتحقق لشعب المملكة العربية السعودية في عهد الملك الراحل عدد من الإنجازات المهمة، منها إنشاء عدد من المدن الاقتصادية، كمدينة الملك عبدالله الاقتصادية في رابغ ومدينة الأمير عبدالعزيز بن مساعد الاقتصادية في حائل، ومدينة جازان الاقتصادية، ومدينة المعرفة الاقتصادية بالمدينة المنورة، إلى جانب مركز الملك عبدالله المالي بمدينة الرياض، وكذلك تضاعف عدد جامعات المملكة من ثماني جامعات إلى ما يقارب ثلاثين جامعة، وتم افتتاح الكليات والمعاهد التقنية والصحية وكليات تعليم البنات، وافتتاح جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية، وجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن.من المبادرين لرفع مستوى تعليم السعوديينخطت مسيرة التعليم خطوات متسارعة إلى الأمام حيث وجهت المملكة نسبة كبيرة من عائداتها لتطوير الخدمات ومنها تطوير قطاع التعليم ولم تقف معطيات قائد هذه البلاد عند ما تم تحقيقه من منجزات تعليمية شاملة، بعد أن أيده الله بمواصلة مسيرة التنمية والتخطيط من خلال عمل دائب تلمس فيه كل ما يوفر المزيد من الخير والازدهار لهذا البلد وأبنائه، فرحل بعد أن ترك المملكة تعيش حاليا نهضة تعليمية شاملة ومباركة توجت بإحدى وعشرين جامعة حكومية وأربع جامعات أهلية تضم 19 كلية جامعية أهلية موزعة على جغرافيا مناطق مترامية الأطراف لتغطى احتياجات المملكة بلغ عدد طلبتها 701.681 وبلغ عدد أعضاء هيئة التدريس في هذه الجامعات 30.246 أستاذا للعام الدراسي اضافة الى 32 ألف مدرسة للبنين والبنات ارتفع أجمالي عدد طلبتها إلى أكثر من 5 ملايين طالب وطالبة يتلقون تعليمهم في أكثر من 32 ألف مدرسة ويقوم على تعليمهم أكثر من 426 ألف معلم ومعلمة.كان حريصاً على تخفيف أعباء حجاج بيت الله الحرامشمل الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود بعنايته واهتمامه الخاص بضيوف الرحمن واستكمال مختلف المشروعات التي تسهل وتيسر على قاصدي البيت الحرام أداء مناسكهم والقضاء على مشاكل الازدحام حول جسر الجمرات والساحات المحيطة بها، بالإضافة إلى ما تضمنته المشروعات من استكمال امتداد الأنفاق والتقاطعات والجسور التي ستؤدي إلى تسهيل حركة المرور من مشعر منى وإليه.وفي هذا السياق صدرت في السادس والعشرين من شهر ذي الحجة 1428 هـ موافقة الراحل على تنفيذ مشروع لتوسعة الساحات الشمالية للمسجد الحرام وستكون مجمل المساحة المضافة إلى ساحات المسجد الحرام بعد تنفيذ مشروع التوسعة ثلاثمئة ألف متر مسطح تقريبا مما يضاعف الطاقة الاستيعابية للمسجد الحرام ويتناسب مع زيادة أعداد المعتمرين والحجاج ويساعدهم في أداء نسكهم بكل يسر وسهولة.واتسم عهد الراحل بسمات حضارية رائدة جسدت ما اتصف به من صفات متميزة أبرزها تفانيه في خدمة وطنه ومواطنيه وأمته الإسلامية والمجتمع الإنسانى بأجمعه في كل شأن وفى كل بقعة داخل الوطن وخارجه. وكان المشروع الضخم والفريد من نوعه لتطوير الجسر ومنطقة الجمرات الأهم والأبرز في منظومة الأمن والسلامة لحجاج بيت الله الحرام بمشعر منى بتكلفة نحو أربعة مليارات ريال. حيث دشن الراحل المرحلة الأولى من تطوير جسر ومنطقة الجمرات.الى ذلك تم انجاز التوسعة الكبيرة في المسعى مما ضاعف المساحة الاستيعابية إضافة الى مشروع قطار الحرمين السريع ومشروع قطار المشاعر المقدسة وساعة مكة المكرمة ووقف الملك عبدالعزيز.وحرصا منه على راحة الحجاج والمعتمرين آمر الملك الراحل بتوسعة المطاف وقد شاهد في قصر الصفا بمكة المكرمة في اواخر شهر رمضان المبارك لعام 1432هـ عرضاً للمشروع المقترح لتوسعة المطاف بالمسجد الحرام حيث سيتسع المطاف بعد تنفيذه لـ 130 ألف طائف وسيستغرق تنفيذ المشروع ثلاث سنوات.ولم يقتصر الأمر على الحرم المكي الشريف فقد أولى الراحل عناية خاصة بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خلال زيارته الميمونة للمدينة المنورة حيث وضع حجر الأساس لتوسعة الساحات الشرقية والمظلات للمسجد النبوي الشريف.كان يدعم التثقيف الدينيمن منطلق حرصه على ما يخدم الإسلام والمسلمين انطلقت في عهد الملك الراحل قناتان للقرآن الكريم والسنة النبوية من الحرمين الشريفين هدية منه للعالم الإسلامي لخدمة دينه وأمته وخاصة ما يخدم كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وسلم) وأن تعطى هاتان القناتان أهمية خاصة لتخدم الرسالة المنوطة بهذه البلاد المباركة. كما أمر الراحل بالشروع في تطوير إذاعة «نداء الإسلام» من مكة المكرمة بإطلاق بثها 12 ساعة يوميا ابتداء من بداية شهر محرم عام 1432 هـ، والعمل نحو الاستمرار في تطويرها تدريجيا حتى يبلغ 24 ساعة.التقدم الحضاري والثقافيحرص فقيد المملكة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بشكل دائم على سن الأنظمة وبناء دولة المؤسسات والمعلوماتية في شتى المجالات مع توسع فى التطبيقات ومن هذا المنطلق تم إكمال منظومة تداول الحكم بإصدار نظام هيئة البيعة ولائحته التنفيذية وتكوين هيئة البيعة وجرى تحديث نظام القضاء ونظام ديوان المظالم وتخصيص سبعة مليارات ريال لتطوير السلك القضائي والرقي به كما تم إنشاء عدد من الهيئات والإدارات الحكومية والجمعيات الأهلية التي تعنى بشؤون المواطنين ومصالحهم ومنها (الهيئة الوطنية لحماية النزاهة ومكافحة الفساد) و(الهيئة العامة للإسكان) كما تم إنشاء وحدة رئيسية في وزارة التجارة والصناعة بمستوى وكالة تعنى بشؤون المستهلك.وفي مجال الحوار بين اتباع الاديان والثقافات والحضارات ونبذ الصدام بينها وتقريب وجهات النظر دعا الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ال سعود في أكثر من مناسبة إلى تعزيز الحوار بين اتباع الاديان والثقافات والحضارات المختلفة وإلى ضرورة تعميق المعرفة بالآخر وبتاريخه وقيمه وتأسيس علاقات على قاعدة الاحترام المتبادل والاعتراف بالتنوع الثقافي والحضاري واستتثمار المشترك الانساني لصالح الشعوب. وتتويجا للجهود التي بذلها المرحوم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز لتعزيز التواصل والحوار بين الحضارات والثقافات والتوافق في المفاهيم تم إطلاق جائزة عالمية للترجمة باسم جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة إيمانا بأن النهضة العلمية والفكرية والحضارية إنما تقوم على حركة الترجمة المتبادلة بين اللغات كونها ناقلاً أميناً لعلوم وخبرات وتجارب الأمم والشعوب والارتقاء بالوعي الثقافي وترسيخ الروابط العلمية بين المجتمعات الإنسانية.التطور الاقتصاديفي المجال الاقتصادي أثمرت توجيهات الملك الراحل نحو الإصلاح الاقتصادي الشامل وتكثيف الجهود من أجل تحسين بيئة الأعمال في البلاد وإطلاق برنامج شامل لحل الصعوبات التي تواجه الاستثمارات المحلية والمشتركة والأجنبية بالتعاون بين جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة على حصول المملكة العربية السعودية على جائزة تقديرية من البنك الدولي تقديراً للخطوات المتسارعة التي اتخذتها أخيراً في مجال الإصلاح الاقتصادي ودخول المملكة ضمن قائمة أفضل عشر دول أجرت إصلاحات اقتصادية انعكست بصورة إيجابية على تصنيفها في تقرير أداء الأعمال الذي يصدره البنك الدولي.وصنفت المملكة أفضل بيئة استثمارية في العالم العربي والشرق الأوسط باحتلالها المركز 23 من أصل 178 دولة. واستضافت المملكة في شهر نوفمبر 2007 بدعوة من الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله القمة الثالثة لرؤساء وحكومات دول أعضاء منظمة أوبك في الرياض والتي صدر عنها إعلان الرياض الذي ركز على دور منظمة اوبك ومساهمتها في استقرار سوق الطاقة العالمية والازدهار العالمي.كما صادق المجلس العمومي في منظمة التجارة العالمية في جلسته التي عقدت في التاسع من شهر شوال عام 1426هـ بجنيف على وثائق انضمام المملكة العربية السعودية إلى منظمة التجارة وذلك بحضور الدول الأعضاء وعددها 148 دولة لتصبح المملكة العضو التاسع والأربعين بعد المئة.وضوح وشفافية سياسة المملكة العربية السعوديةفي عهد الملك الراحل عبرت السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية بصدق ووضوح مقرونين بالشفافية عن نهج ثابت ملتزم تجاه قضايا الأمة العربية وشؤونها ومصالحها المشتركة ومشكلاتها وفي مقدمتها القضية الفلسطينية واستعادة المسجد الاقصى المبارك والعمل من أجل تحقيق المصالح المشتركة مع التمسك بميثاق الجامعة العربية وتثبيت دعائم التضامن العربي على أسس تكفل استمراره لخير الشعوب العربية.وفى هذا الإطار قدم الملك الراحل عندما كان وليا للعهد تصورا للتسوية الشاملة العادلة للقضية الفلسطينية من ثمانية مبادئ عرف باسم «مشروع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز» قدم لمؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 وقد لاقت هذه المقترحات قبولا عربيا ودوليا وتبنتها تلك القمة وأكدتها القمم العربية اللاحقة خاصة قمة الرياض الأخيرة وأضحت مبادرة سلام عربية. واقترح الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال المنتدى الدولي السابع للطاقة الذي عقد فى الرياض خلال عام 2000 انشاء أمانة عامة للمنتدى الدولي للطاقة يكون مقرها مدينة الرياض وقد قرر المجتمعون في منتدى الطاقة الدولي الثامن المنعقد في أوساكا اليابانية بالاجماع إنشاء هذه الأمانة ومقرها الرياض، كما رعى افتتاح مبنى الأمانة العامة لمنتدى الطاقة الدولي بالرياض، واقترح حفظه الله إقامة مركز دولي لمكافحة الإرهاب وذلك خلال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب الذي عقد في مدينة الرياض في شهر فبراير 2005 برعايته وبمشاركة أكثر من 50 دولة عربية وإسلامية وأجنبية إلى جانب عدد من المنظمات الدولية والاقليمية والعربية.وامتدت مشاركات المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز الخارجية إلى أبعد من ذلك حيث يحرص رعاه الله دائما على المشاركة وحضور المؤتمرات الدولية والعربية والإقليمية والزيارات الرسمية لمعظم دول العالم ويسهم بفاعلية في وضع الأسس الثابتة القوية لمجتمع دولي يسوده السلام والأمن والإخاء.كان نصيراً للمرأةلما للمرأة السعودية المسلمة من دور فعال في إثبات الذات والوصول إلى أعلى المستويات فقد أولى الفقيد اهتمامه ورعايته بمشاركتها في الحياة السياسية وإعطائها الفرصة الكاملة للاسهام في بناء هذا الصرح الشامخ لكي تصبح عضواً في مجلس الشورى وأن ترشح للانتخابات البلدية.ومن اهم مواقفه التي كانت لصالح تمكين المرأة، قراره التاريخي بمشاركة المرأة في مجلس الشورى وقال حينها قررنا التالي أولا «مشاركة المرأة في مجلس الشورى عضواً اعتباراً من الدورة القادمة وفق الضوابط الشرعية. ثانياً : اعتباراً من الدورة القادمة يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية، ولها الحق كذلك في المشاركة في ترشيح المرشحين بضوابط الشرع الحنيف. واضاف «من حقكم علينا- أيها الإخوة والأخوات- أن نسعى لتحقيق كل أمر فيه عزتكم وكرامتكم ومصلحتكم.. ومن حقنا عليكم الرأي والمشورة، وفق ضوابط الشرع، وثوابت الدين، ومن يخرج على تلك الضوابط فهو مكابر، وعليه أن يتحمل مسؤولية تلك التصرفات».كان يحمل هم المواطنينالمواطن كان في مقدمة اهتمامات الراحل خادم الحرمين الشريفين وكان يتلمس دائما احتياجات المواطنين ودراسة أحوالهم عن كثب لأجل تحسين مستواهم المعيشي فقد أصدر أوامره الكريمة بدعم رأسمال صندوق التنمية العقارية بمبلغ إضافي قدره أربعون ألف مليون ريال لتمكينه من إنهاء الطلبات على القروض والتسريع في عملية الحصول على القرض، وإعفاء جميع المتوفين من أقساط قروض صندوق التنمية العقارية للأغراض السكنية الخاصة المستحقة عليهم دون أي شروط وإعفاء جميع المقترضين من صندوق التنمية العقارية للأغراض السكنية الخاصة من قسطين لمدة عامين. كما صدر أمره باعتماد بناء خمسمئة ألف وحدة سكنية في مناطق المملكة كلها، وتخصيص مبلغ إجمالي لذلك قدره مئتان وخمسون مليار ريال، وصدر أمره الكريم بدعم رأسمال صندوق التنمية العقارية و رفع قيمة الحد الأعلى للقرض السكني من صندوق التنمية العقارية من ثلاثمئة ألف ريال ليصبح خمسمئة ألف ريال. كذلك تم في عهده إعفاء جميع المتوفين من أقساط قروض البنك السعودي للتسليف والادخار الخاصة بالأغراض الاجتماعية دون أي شروط، وإعفاء جميع المقترضين من البنك السعودي للتسليف والادخار الخاصة بالأغراض الاجتماعية من أقساط لمدة عامين. كما زيدت مخصصات الإعانات التي تقدم للجمعيات الخيرية من الدولة بنسبة (50 في المئة) لتصبح سنوياً أربعمئة وخمسين مليون ريال سنوياً، ودعم الجمعيات التعاونية بمبلغ مئة مليون ريال سنوياً إضافة إلى إقامة ودعم عدد من المشروعات والبرامج الأخرى.كما شملت الأوامر الملكية في عهد الفقيد زيادة المزايا المالية للموظفين من انتداب وبدل نقل ومكافأة نهاية الخدمة إضافة إلى أمره الكريم بتثبيت كل المواطنين والمواطنات المعينين على كل البنود ممن يتقاضون رواتبهم من ميزانية الدولة، ويشمل من يعملون في الأجهزة الحكومية ويتقاضون رواتبهم من خارج الميزانية العامة.بالإضافة لصرف مكافأة شهرين لجميع موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين. ورغبة في إيجاد حل لمشكلة البطالة التي يعاني منها بعض المواطنين والمواطنات وجّه الراحل خادم الحرمين الشريفين باعتماد صرف مُخصص مالي قدره ( ألفا ريال ) شهريا للباحثين عن عمل في القطاعين العام والخاص، ولدعم ومساندة الجهاز الأمني بما يعزز قدرته في حفظ الأمن والاستقرار الوطني صدر أمر خادم الحرمين الشريفين حفظه الله بإحداث (60) ستين ألف وظيفة عسكرية لوزارة الداخلية.كان راعيا لحقوق الانسانمثّل انتخاب المملكة لعضوية مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة لدورتين متتاليتين إقراراً صريحاً بما تحظى به حقوق الإنسان في المملكة من اهتمام القيادة الرشيدة، وتقديراً دولياً لجهود ومبادرات خادم الحرمين الشريفين في حماية هذه الحقوق. وقد وافق الملك الفقيد على صدور نظام مكافحة الاتجار بالأشخاص وعلى إستراتيجية نشر ثقافة حقوق الإنسان، التي تعد إضافة لما تقدمه الدولة من أجل إرساء هذه الحقوق.واتسم عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله بسمات حضارية، أبرزها تفانيه في خدمة وطنه ومواطنيه وأمته الإسلامية والمجتمع الإنساني أجمع في كل شأن وفي كل بقعة داخل الوطن وخارجه، إضافةً إلى حرصه الدائم على سن الأنظمة وبناء دولة المؤسسات المعلوماتية في شتى المجالات مع توسع في التطبيقات.كان محتضناً للعرب وأباً لهموحامياً للقدسعلى الصعيد العربي ستذكر الأمة العربية موقف الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز التاريخي خلال مؤتمر القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية (قمة التضامن مع الشعب الفلسطيني في غزة) التي عقدت في الكويت في شهر يناير 2009 تجاوز مرحلة الخلافات بين العرب وأسس لبداية مرحلة جديدة في مسيرة العمل العربي المشترك تقوم على قيم الوضوح والمصارحة والحرص على العمل الجماعي في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.واستمر رحمه الله على نهج المغفور له والده الملك عبدالعزيز في دعم القضية سياسياً ومادياً ومعنوياً بالسعي الجاد والمتواصل لتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وتبنى قضية القدس ومناصرتها بكل الوسائل.وفي هذا الإطار قدّم الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد تصوراً للتسوية الشاملة العادلة للقضية الفلسطينية من ثمانية مبادئ عرف باسم مشروع الأمير عبدالله بن عبدالعزيز للسلام قدِّم لمؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 وقد لاقت هذه المقترحات قبولاً عربياً ودولياً وتبنتها تلك القمة وأضحت مبادرة سلام عربية أكّدتها القمم العربية اللاحقة. ووجّه رحمه الله في يوليو عام 2006 بتخصيص منحة قدرها مئتان وخمسون مليون دولار للشعب الفلسطيني لتكون نواة لصندوق عربي دولي لإعمار فلسطين.وعندما حدث خلاف بين الفلسطينيين سارع المغفور له خادم الحرمين الشريفين بتوجيه الدعوة لأشقائه قادة الشعب الفلسطيني لعقد لقاء في رحاب بيت الله الحرام بمكة المكرمة لبحث أمور الخلاف بينهم بكل حيادية ودون تدخل من أي طرف والوصول إلى حلول عاجلة لما يجري على الساحة الفلسطينية.وتوجت تلك الاجتماعات باتفاق مكة الذي أعلن بحضور الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قصر الصفا بجوار بيت الله الحرام في العشرين من شهر محرم 1428هـ. وتأرخت مقولته «أعلن باسمنا جميعا أننا تجاوزنا مرحلة الخلاف وفتحنا باب الأخوة العربية والوحدة لكل العرب دون استثناء أو تحفظ وأننا سنواجه المستقبل - بإذن الله - نابذين خلافاتنا، صفاً واحداً كالبنيان المرصوص مستشهدين بقوله تعالى «ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم»، كما أعلن تبرع المملكة العربية السعودية بمبلغ 1000مليون دولار لإعادة إعمار غزة وشدد على أهمية وحدة الفلسطينيين في هذه المرحلة المهمة وقال وتقضي الأمانة هنا أن نقول لأشقائنا الفلسطينيين ان فرقتهم أخطر على قضيتهم من عدوان إسرائيل».كان يؤيد فكرة خليج متحد وقويوقد اتسمت دعوة الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إخوانه في قمة مجلس التعاون الخليجي بالرياض ( إعلان الرياض ) في 24 محرم 1433هـ إلى اتخاذ خطوة تاريخية تطالب بها الشعوب منذ فترة، وتنتظرها، وتتوقع معها تحصيناً حقيقياً لكياناتها، وأماناً دائماً لشعوبها.لقد طالب الملك في كلمته إخوانه بأن تنتقل دول المجلس الست من صيغة التعاون التي ولدت قبل 32 عاماً، إلى صيغة الاتحاد في سياساتها الاقتصادية والخارجية، وتنظم مستقبل شعوبها في الاتجاه الذي يحفظ لها أمانها ويحقق تطلعاتها.كانت له عقلية فذة في تجنب الأزمات الاقتصاديةتأكيداً لمكانة المملكة العربية السعودية وثقلها المؤثر على الاقتصاد العالمي ولمواقفها المعتدلة وقراراتها الاقتصادية التي تبنتها خلال سنوات التنمية الشاملة إضافة إلى النمو المتوازن للنظام المصرفي السعودي، شاركت المملكة العربية السعودية برئاسة الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة مجموعة الدول العشرين الاقتصادية التي عقدت في مدينة تورنتو الكندية وخلال الاجتماع وجّه المرحوم خادم الحرمين الشريفين كلمة لقادة دول مجموعة العشرين أشار فيها إلى نجاح مجموعة العشرين في الاستجابة للأزمة المالية العالمية بما اتخذته من تدابير جنّبت العالم الوقوع في الكساد، إلاّ أن الأوضاع الاقتصادية العالمية الهشة تجعل من إعلان النجاح مؤجلاً. ولذا فمن المهم أن يكون النمو العالمي أقوى وأكثر توازناً وقدرة على الاستمرار، من خلال تبني إجراءات منسقة من قبل دول المجموعة. وفي نفس الوقت مراعاة الاحتياجات والظروف الخاصة بكل دولة.وكان الراحل خادم الحرمين الشريفين تطرق إلى الأنظمة المالية مؤكداً أهمية إصلاحها من أجل تفادي وقوع الاقتصاد العالمي بأزمات مماثلة في المستقبل، مشيراً إلى أن تطبيق أنظمة إشرافية ورقابية قوية تعد بديلاً أنسب من فرض ضرائب على المؤسسات المالية، منوهاً بأن قدرة النظام المالي في المملكة العربية السعودية على الصمود تعززت على مدار السنوات الماضية، بفضل الإجراءات الصارمة والرقابة الاستباقية. وأن النظام المصرفي احتفظ بسلامة أوضاعه وبمستويات ربحيته ورسملته المرتفعة حتى في أعقاب الأزمة العالمية الأخيرة.وكانت المملكة قد شاركت برئاسة الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في قمة مجموعة الدول العشرين الاقتصادية التي عقدت في العاصمة البريطانية في شهر ربيع الآخر 1430هـ، وناقشت القمة عدداً من المقترحات والإجراءات التي تهدف إلى إنعاش الاقتصاد العالمي وتحسين مسار الاقتصاديات الدولية وتخفيض حدة الركود والانكماش الاقتصاديين وتنشيط عمليات الإقراض لتوفير المصادر المالية للأفراد والعائلات والشركات ودعم مسيرة الاستثمار المستقبلي علاوةً على إصلاح الفجوات في المؤسسات الدولية ومناقشة مقترح إنشاء نظام دولي للإنذار المبكر بشأن الوضع الاقتصادي والمالي الدولي.
خارجيات
الملك عبدالله ... رحيل الشجعان
04:27 م