قال تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» (سورة البقرة - آية 273)... كدأب أهل الخير الذين ينفقون في سبيل الله، يبتغون وجهه الكريم، ويسارعون في الخيرات.ويعد الانفاق في سبيل الله.. من الناحية الشرعية والسلوكية.. هو انفاق من الخير للنفس فالله تعالى يقول {وما تنفقوا من خير فلأنفسكم} كالعمل الصالح الذي يعمله الإنسان ويكون راضياً عنه مطمئن البال مصداقاً لقوله تعالى: {من عمل صالحاً فلنفسه ومن اساء فعليها} ويقول الحسن البصري: نفقة المؤمن عائدة لنفسه، ولا ينفق المؤمن، إذا أنفق إلا ابتغاء وجه الله.والله تعالى يقول: {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} وقول الحق تبارك وتعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله} فهم المهاجرون الذين تركوا ديارهم وأموالهم وانقطعوا إلى الله وإلى رسوله، وسكنوا المدينة يؤازرون الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس لهم مورد يروون به على أنفسهم ما يغنيهم فهم «لا يستطيعون ضرباً في الأرض» يعني سعياً وسفراً في طلب المعاش.والجاهل يحسب هؤلاء الأغنياء من التعفف.. «يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف»، والجاهل هنا جاهل بأمرهم وحالهم، يحسبهم أغنياء من تعففهم في لباسهم وحالهم ومقاطهم.وقوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم} أي بما يظهر لذوي العقول من صفاتهم كما قال تعالى: {سيماهم في وجوههم}، {ولتعرفهم في لحن القول} والمؤمن يتسم بالفراسة، فهو ينظر بنور الله، ولذلك فالمؤمنون يعرفون هؤلاء المحتاجين بسيماهم من وجوههم.وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» والمتعففون «لا يسألون الناس الحافا» أي لا يلحون في المسألة ولا يكلفون الناس ما لا يحتاجون إليه. فإن من سأل الناس وله ما يغنيه عن المسألة، فإن سلوكه يتسم بالإلحاف في المسألة. ورسول الحق تبارك وتعالى يقول: «ليس المسكين بالطواف عليكم فتطعمونه لقمة لقمة، إنما المسكين المتعفف الذي لا يسأل الناس الحافاً.»وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل وله ما يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشاً أو كدوحاً في وجهه». قالوا: يا رسول الله وما غفاه؟ قال: خمسون درهماً أو حسابها من الذهب.والانفاق من الخير يعلمه الله. «وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم» أي لا يخفى عليه شيء منه، وسيجزى الله تعالى عليه أوفر الجزاء وأتمه يوم القيامة، يوم يكون المنفق أحوج ما يكون إليه.والإنفاق يكون بالليل أو النهار وفي السر والجهر، وفقاً لما يقوله تعالى: {الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.ويُعد هذا من الناحية الشرعية والسلوكية مدحاً وتحفيزاً منه تعالى للمنفقين في سبيل الله وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار والأحوال من سر وجهر، حتى أن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضاً كما ثبت في الصحيحين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال لسعد بن أبي وقاص، حين عاده مريضاً عام الفتح، وفي رواية عام حجة الوداع: وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة، حتى ما تجعل في في امرأتك».وإذا نظرنا إلى حياتنا الحاضرة، نجد أن التعفف من سمات الكرام المعوزين، الذين تكتنفهم ظروف تمنعهم من الكسب قهراً، وتأبى كرامتهم أن يسألوا العون، فهم يتجملون كي لا تظهر حاجاته، ويحسبهم الجاهل - من حولهم - بما وراء ما يبدو منهم أنهم أغنياء لتعففهم، ولكن ذا الحس المرهف والبصيرة النافذة يدرك ما وراء تجملهم. فالمشاعر النفسية تبدو على سيماهم وهم يدارونها في حياء.وأخيراً لإيضاح أكثر عن سلوك التعفف، نجد أن العفة هي الكف عما لا يحل ويجمل. والتعفف يكون عن المحارم والأطماع الدنية. وفي التنزيل العزيز: {وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا}، ويمثل هذا ضبط النفس وهو قمة الالتزام الأخلاقي حيث الذي لا يجد نكاحاً.. يصوم.. والصوم له رجاء.وفي الحديث: «من يستعفف يعفه الله».والاستعفاف هو الصبر والنزاهة عن الشيء. ومنه الحديث الشريف: «اللهم إني أسألك العفة والغنى».
متفرقات - إسلاميات
الإنفاق على المتعففين... إنفاق من الخير للنفس
11:51 م