صدر عن دار نشر صفصافة بالقاهرة رواية «اللبن الأسود» للكاتب المصري الشاب محمد خير الله في 237 من القطع المتوسط وتنقسم إلى خمسة فصول .تدور أحداث الرواية بين مدينتي الإسكندرية في مصر وكركوك في العراق، خلال فترة منتصف الثمانينات وتتصاعد زمنيا وصولا للألفية الجديدة، وترصد عبر حياة البطل «ناجي» أبهى شباب عائلة الحوفي الثرية، ومهندس البترول الحديث التخرج، الذي يرتحل من الإسكندرية حيث الدفء والشمس إلى كركوك بالعراق حيث البرد والغيوم ورائحة النفط والحرب. وتلعب المفارقة والصدفة دورا رئيسا في الرواية، فعنوان العمل نفسه يعبر بشكل صادم عن المفارقة والتضاد بين اللبن بلونه الأبيض ورمزيته كمصدر للحياة وللبهجة، وبين اللون الأسود كرمز للموت والخراب، تستمر هذه المفارقة عبر فصول الرواية، فنرصد مظاهر التناقض الحاد بين تاريخ الإسكندرية وثقافتها العريقة قديما، وحالة السيولة والانفتاح والتشظي والفساد والجهل التي تضرب المدينة خلال العقود الماضية. ويصف الراوي هذه الحالة التي يعيشها بعد مغادرته الإسكندرية قائلا: «اعتاد ناجي شوارع كركوك وحواريها ومحالها وناسها دون أن يحبهم، اعتاد العمل المجهد في حقل «بابا كركر» الغني بالنفط دون أن يكل، اعتاد التعامل مع زملائه المهندسين العراقيين دون التحدث في أي أمر يخص السياسةـ اعتاد على رؤية الأسر الكردية التي تهجر منازلها قسرا كل يوم لمدن أخرى».هذه الحالة من التناقض والمفارقة يستشعرها «ناجي» بطل الرواية منذ ميلاده وتمتد معه عبر رحلة الحياة، فهو الشاب الأرستقراطي، المولود لأب من كبار تجار الأثاث بالإسكندرية ولأم سورية، والذي درس في مدرسة سان مارك الفرنسية، وحياته وثقافته أقرب للنمط الأوروبي، لكنه يصطدم بالتغيرات الكبيرة التي حدثت للمجتمع، وكيف تحول كل شيء إلى سلعة تباع وتشترى، وكيف صنع الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته مصر في فترة السبعينات من القرن الماضي طبقة جديدة من الأغنياء الذين لا يملكون أي مقدار من العلم أو الوعي أو المعرفة ويتعاملون مع التاريخ والفكر والقيم الإنسانية النبيلة بمنطق تجاري، ما حول الإسكندرية الجميلة التي كان يعرفها والتي كانت تتميز بتراثها المعماري الذي يمزج بين اليوناني والبرتغالي والإيطالي والفرعوني والقبطي، إلى غابة أسمنتية ومدينة مشوهة بلا معالم. ما يخشاه البطل طوال الرواية ويشعره بالاغتراب هو انعكاس هذه التغيرات التي تحدث في المدينة على سكانها، وكيف أصبح همّ الجميع جمع المال فقط، خصوصا مع تغير البنية الطبقية والسكانية لأهل المدينة مع هجرة الجاليات الأجنبية عقب ثورة 1952 ووصولا لامتداد الأحياء العشوائية على أطراف المدينة بشكل مخيف، ويحاول البطل عبر الرواية البحث عن مدينته التي تسرق وتسلب منه.
محليات - ثقافة
محمد خيرالله: أرصد زيف الانفتاح في روايتي «اللبن الأسود»
02:36 ص