بعد أيام سيحتفل العالم برأس السنة مع أنه ليس لها رأس.والسنة هي مقياس للزمن، وعلى هذا الأساس يمكن تقسيم السنة إلى شهور، والشهور إلى أيام، والأيام إلى ساعات، والساعات إلى دقائق، والدقائق إلى ثوان، والثواني إلى ملي ثانية، ثم إلى نانو ثانية، وأخيرا إلى فيمتو ثانية، والأخيرة تعني تقريبا أن الثانية يمكن تقسيمها إلى ما لا نهاية، أو تريليونات من الأجزاء من الثانية، ومع ذلك لم ينته الموضوع، فمازال الزمن فيه متسع من الزمن.وللخروج من هذه الأزمة التي لا تنتهي انصرف العلماء عن قياس الزمن، وراحوا يصفونه وقالوا هو عبارة عن حركة لحوادث متتالية لا تنتهي إلا بتوقف الزمن، وطبعا هذا التفسير للزمن لم يتوصل له الإنسان إلا في العصر الحديث، أما الإنسان القديم فقد كان على نياته (ويا دوبك) يعرف الليل من النهار، وعندما فكر وكما نقول (شغل مخه) اكتشف أن كل الأشياء الموجودة على الأرض من حوله ثابتة ولا تتغير، وأن المتغير الوحيد هو تلك الأشياء التي يراها كل يوم في السماء، وعندها بدأ يعرف عدد السنين والحساب، وبدأ التاريخ، وللأمانة التاريخية فإن الفضل في تسجيل بداية التاريخ وطول السنة وعدد الأشهر يعود للسومريين وليس العراقيين طبعا، فقد بدأوا بدراسة النجوم، وأسسوا علم الفلك (وبلشوا) يضربون الودع ويكشفون الفال، وقد تمسكنا بهذا الاكتشاف منذ ذلك اليوم إلى هذا اليوم.ولكن تقويم التاريخ بشكله الحالي كان قصة أخرى، ففي العهود الغابرة كانت كل قبيلة، أو مدينة تسجل التاريخ بناء على حوادثها، فكان التاريخ يبدأ معها وينتهي بنهايتها، ثم أشرقت الحضارة الرومانية ومع طول فترة ازدهارها وحاجتها للتنظيم الإداري الدقيق اهتمت بالتقويم، ولكنه صار خاضعا لمزاج الأباطرة، وعندما اعتلى يوليوس قيصر عرش الإمبراطورية، وكان قبل ميلاد المسيح بتسع وأربعين سنة، وجد أن التاريخ فوضى ولا يمكن الاعتماد عليه، فقام بعدد من التعديلات المهمة، ونقل رأس السنة من نهاية شهر مارس إلى نهاية شهر ديسمبر والذي نحتفل كل سنة وكأنه مقرر، ثم أعاد أيام السنة إلى 365 يوما للسنة العادية و366 للسنوات الكبيسة بعدما كانت تمتد لتصل إلى 377 يوما، ثم قام بتقسيم السنة إلى 12 شهرا،ووزع الأيام إلى 31 يوما للأشهر الفردية و30 يوما للأشهر الزوجية، وتكريما له سمي الشهر السابع باسمه وصار اسمه شهر يوليو، ولما جاء بعده الإمبراطور أغسطس (أوكتافيوس)، زعل زعلة كبيرة، لأن شهر أغسطس 30 يوما فقط، فأخذته العزة بالإثم وسطا على شهر فبراير المسكين وأخذ منه يوما كاملا وأضافه إلى شهر أغسطس فصار أغسطس 31 يوما وشهر فبراير 28 يوما، وطبعا إلى هذه اللحظة لم يكن هناك تاريخ ميلادي ولا هجري فالمسيح لم يولد بعد والهجرة لم تحدث.وبعد ميلاد المسيح وتوالي الأحداث وفي القرن السادس عشر جاء البابا غريغوريوس الثالث عشر وطور التقويم (اليولياني) نسبة إلى يوليوس قيصر ووضع حدا للتاريخ وجعل ميلاد المسيح خطا فاصلا للتاريخ وهو التاريخ الذي نسير عليه اليوم.وطبعا التاريخ الذي وضعه العالم والبابا غريغوريوس لميلاد المسيح تقريبي، ويقال إنه ربما يقل أو يزيد على ذلك ببضع سنين، ولكن المهم في الموضوع أن غريغوريوس صنع التاريخ وليس نحن، وسار العالم وراءه ونحن من ورائه كالعادة !fheadpost@gmail.com