| القاهرة - من نجلاء فتح الله |

أحمد ماهر مخرج شاب مصري تلمس طريقه للسينما المهمة منذ أول أفلامه القصيرة «علامات أبريل»، الذي حصد به جائزة الابداع من وزارة الثقافة المصرية، وكانت منحة لدراسة السينما بايطاليا، وهناك قدم العديد من التجارب السينمائية المهمة التي جعلته عضوا دائما في المكتب السمعي والبصري لهيئة اليونسكو منذ العام 98 ضمن «6» مخرجين في العالم، ومتحدثا رسميا لمصر في جميع المؤتمرات السينمائية التي ينظمها اليونسكو.وفي حواره مع «الراي» قال ماهر: ان اختياره للطريق الصعب وتقديم سينما مغايرة عن السائدة حاليا كان صحيحا والا ما كانت الدولة تحمست لانتاج فيلمه «المسافر» وهذا ما دار معه من حوار:• متى بدأت حكاية «المسافر»؟- كتبت المسافر منذ «7» سنوات واستغرقت في كتابته «3» سنوات، وكان من المفترض أن ينتجه اتحاد الاذاعة والتلفزيون المصري بعد أن تحمس له رئيس الاتحاد حينئذ «حسن حامد»، لدرجة أنه فكر في طبعه رواية وبحث عن منتج يدعم الفيلم وعرضه على الكثير من المنتجين وكلهم تحمسوا له، وبالرغم من ذلك كلهم رفضوا انتاجه!• لماذا؟- لا أعرف، لكني أعتقد أنه فيلم مكلف غير مضمون أرباحه، وهو بمثابة المغامرة، والمغامرة لا يقوم بها أفراد، وانما مؤسسات، والسينما متجمدة منذ فترة لأن جميع المنتجين يخشون المغامرة.فالمسافر تحمست له الشركة العربية للانتاج والتوزيع السينمائي لكن رئيسة الشركة اسعاد يونس رأت أن الدولة هي الجهة الوحيدة التي تستطيع انتاجه، لأنه يحتاج الى ميزانية ضخمة جدا لجعله فيلما يبقى للتاريخ.وأيضا شركة «جود نيوز» تحمست له، لكن كان يجب عليَّ الانتظار فترة طويلة لأن الشركة كانت مرتبطة بجدول معين لانتاج الأفلام، وقد حاولت الحصول على دعم من ايطاليا، وبالفعل تم ذلك، لكن لتأخر العثور على منتج أضاع عليَّ هذا الدعم وحمدت الله على ذلك لأني أردت منذ البداية أن تنتج الفيلم جهة مصرية.• ألم تخش أن يتهم فيلمك بأنه سيكون بوقا دعائيا للدولة باعتباره من انتاجها؟- أعتقد الكثيرون ذلك فعلا، ولكني محظوظ أن وزارة الثقافة المصرية وفرت لي انتاجا ضخما دون ممارسة أي ضغوط، وخاصة أن الوزير فاروق حسني كان له معيار فني بحت، لذلك لن يكون الفيلم مجرد بوق دعائي للنظام أو الدولة.• كيف جاءت خطوة التعاون مع وزارة الثقافة، وخاصة أنها المرة الأولى لها في الانتاج السينمائي ؟- الفكرة جاءت عن طريق الناقد «علي أبوشادي» الذي قرأ السيناريو بشكل شخصي، وتحمس له، عندما علم من الوزير اتجاه الوزارة للانتاج السينمائي لكنها لم تجد الفيلم الذي تبدأ به ويكون مختلفا عن السائد تجاريا، وقد قرأ الوزير السيناريو وتحمس له ثم عرضه على لجنة متخصصة وتحمست له أيضا.  لذلك قرر الوزير أن يكون «المسافر» هو باكورة انتاج الوزارة، ومن حسن حظي أن ذلك كله لم يستغرق سوى شهرين فقط وأصبح صندوق التنمية الثقافية هو المسؤول عن انتاج الفيلم.وأنا من أشد المتحمسين لدخول الدولة الانتاج السينمائي، وناديت بذلك كثيرا، لأن ذلك سينعش السينما، وخاصة أنه لا يوجد منتج خاص يستطيع المغامرة بأفلام كبيرة، والثلاث شركات الوحيدة التي تملك الدافع لعمل هذه النوعية من الأفلام هي «مصر العالمية والشركة العربية وجود نيوز»، وخاصة أن السوق الخارجية للأفلام المصرية أصبحت ضعيفة جدا، وبالتالي تواجدنا في المهرجانات الدولية منعدم تقريبا في حين أن السينما العربية أثبتت جدارتها.• مع وجود تقسيمة أفلام للمهرجانات وأفلام للسوق ألا تخشى أن يصنف فيلمك كفيلم مهرجانات فقط؟- هذه التقسيمة لا توجد في العالم، والدولة تدعم السينما في جميع دول أوروبا الغربية، ولولا الدولة لما كان للسينما الأوروبية وجود أمام السينما الأميركية وتاريخ السينما المصرية المهم هو الذي أنتجته الدولة مثل «المومياء» و«دعاء الكروان»، وكل الأفلام التي أنتجتها مؤسسة السينما في الستينات، وخاصة أنه ليس لدينا تاريخ سينمائي مهم في السنوات العشر الأخيرة.وكان من المفترض أن يقوم التلفزيون بالدور الذي تقوم به وزارة الثقافة الآن لكنه للأسف لم يفعل ذلك، وأهمية فيلم «المسافر» أنه بلا توجهات والا سينفر الجمهور منه، لأننا لم نعد في عصر تستخدم فيه السينما للترويج لأفكار الدولة أو لسياستها.• هل ارتبطت موافقة الفنان «عمر الشريف» على الفيلم بصداقته لوزير الثقافة «فاروق حسني» كمجاملة له كما يتردد أم اقتناع بالفيلم؟- الصداقة التي تجمع بين عمر الشريف والوزير ليست سببا في قبوله الدور، لأنه قرأ الفيلم، وأعجب جدا به، ولم يوافق على الفيلم الا بعد ذلك. وقد اشترط عليَّ في البداية أنه لو وجد أن السيناريو يحتاج تعديلات لن يمثل الفيلم الا اذا حدث ذلك، لكنه اقتنع بالسيناريو.• قال عنك وزير الثقافة انك فلليني الاتجاه فهل هذا صحيح ؟- بالتأكيد تأثرت بفلليني مثلي مثل جميع مخرجي العالم، وقد كان فلليني هو موضوع الدراسات العليا التي قمت بها أثناء دراستي بايطاليا.ومن المحتمل أن يكون الوزير وجد في الفيلم روح السخرية والفنتازيا، وذلك ما يميز أفلام فلليني، لكن لا يمكن أن تتم المقارنة بيني وبينه وخاصة أني لاأزال في بداية الطريق.• كم تكلف انتاج الفيلم ؟- حوالي «12» مليون جنيه، وقد تكلفت المركب التي تدور عليها أحداث الفيلم وحدها «2» مليون جنيه، وقد قام بتصميمها مهندس الديكور المبدع أنسي أبو سيف.• وما مصير هذه المركب بعد انتهاء الفيلم؟- أعتقد أنها ستوضع في قصر محمد علي، وستكون خطوة جيدة من وزارة الثقافة أن تؤرشف هذه المركب لأهمية الديكور للدارسين ومهندسي الديكور الآخرين، لأن أرشفة الديكور موجودة في العالم كله حيث يحتفظون بالديكورات المهمة في الاستوديوهات الكبيرة.• ما الفترة الزمنية التي يمر بها «المسافر» ؟- 1948 و1973 و2001، ثلاثة تواريخ مرتبطة بثلاثة أحداث رئيسية في تاريخنا المعاصر، وقد تعاملت مع الزمن كزمن وليس كتاريخ بالرغم من أنني لم أستطع الغاء تأثير العامل التاريخي عليه، وتأثير ذلك على الأحداث والأشخاص أتركها للمشاهد.• لكن ألا ترى صعوبة التعامل مع الزمن مجرد دون تاريخ؟- لا ففي الفنون من الممكن أن يكون هناك أحداث منعزلة عن التاريخ، فأنا لا أتعمد اظهار التاريخ وأيضا لا أستطيع نفي وجوده.• ما هي أماكن الأحداث ؟- بورسعيد أول يوم، الاسكندرية ثاني يوم، القاهرة ثالث يوم والثلاث مدن لها علاقة بالمسطحات المائية، القناة والبحر والنيل، والثلاث قصص لها علاقة بالماء وفكرة السلالات والأنساب، والماء والنار عنصران أساسيان في الفيلم وهما أيضا العنصران الأساسيان لتكوين الطبيعة.• بناء على علاقتك الوطيدة بالسينما الايطالية وعملك فيها هل ترى ثمة علاقة بين الواقعية المصرية والواقعية الايطالية ؟- أكيد بينهما علاقة، بل ان السينما المصرية سبقت الايطالية في تجسيد الواقع، فأفلام كمال سليم سبقت الواقعية الايطالية والتي أثرت في العالم كله، لكن المشكلة أن الواقعية في السينما المصرية قدمت بشكل متقطع، وليس متواصل ما أفقدها تأثيرها. فبعد واقعية كمال سليم بسنوات جاءت واقعية صلاح أبوسيف وبعده بفترة طويلة جاءت واقعية الثمانينات على يد «محمد خان وعاطف الطيب وخيري بشارة وداود عبد السيد»، وهم أكثر المخرجـين المصريين تأثرا بالواقعية الايطالية.

فاروق حسني