استيقظت مترنحة كضحية مصاص دماء، شاحبة باهتة مشعثة، جو الغرفة بارد جدا، الشمس لم تشرق بعد، والظلام تام وشامل وعميق، تجاوزت طفلتها النائمة في شبة قفزة، لتقف في ثبات نسبي على خشب الأرضية البارد، تحركت في خفه وهدوء، متجنبة اصدار أي صوت، توجهت كالمعتاد الى خارج الغرفة، لكن شيئا ما جعلها تتجه اولا الى النافذة العريضة التي تحتل حائطا كاملا في غرفة نومها، في بداية زواجها لم تتخيل ابدا ان الغرفة التي رسمت هي كل جزء منها ستتحول الى جزيرة بعيدة ومعزولة في البيت، الواقع ان زوجها لم يعد يدخل الى الغرفة تقريبا الا ليستبدل ملابسه!الأمر لا يضايقها كثيرا، زوجها ايضا الآن اصبح بعيدا وغريبا كغربته الاختيارية عن غرفته، ازاحت الستار المخملي قليلا، بالفعل الشمس لم تشرق بعد، لكن لون السماء محايد تماما، حال الكون يتحد مع حالها لا هو مظلم تماما ولا هو يشع نورا ودفئا، لون السماء غريب يصعب وصفه تداخل مستحيل لمجموعة من الألوان، حالة غريبة لنهاية ظلام وبداية نور، حالة تثير التوتر وتبعث على الارهاق، أيشبه الوضع لحظة الميلاد؟ ايمر الوليد بهذا الوضع في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، أهكذا يشعر وهو يخرج من الظلام الى النور؟ تنهدت فتكاثف بخار الماء الناتج من انفاسها على الزجاج ليصنع غيمة صغيرة تعكر نظافة الزجاج، هزت رأسها وداخلها يقول (اف وكأن الأمر ينقصه غيوم)، اندهشت بشدة لأنه في تلك اللحظة اليسيرة أشرقت الشمس وعم نورها الوجود وانتهت تلك اللحظة الغريبة ليبدأ نهارا جديدا، فأسرعت الى الخارج، فتحت باب غرفة ابنتها التي ينام زوجها داخلها وايقظته بعبارة سريعة لم تلتقط هي تفاصيلها، واتجهت الى المطبخ لتعد الأفطار تاركة له هو مهمة ايقاظ الطفلة للمدرسة،اللحظات التالية بالنسبة لها لا تذكر عنها شيئا، امر اشبه بالسيناريو المحفوظ بالحرف، بكاء ابنتها لحظة الاستيقاظ، صوت زوجها المهدئ، عبارات التدليل التي تقولها هي لابنتها من الداخل وهي تتحرك بسرعة لتضع لزوجها إفطاره على طاولة المطبخ وتصب الشاي وتجهز افطار ابنتها، ثم تعود لتسرع من جديد وكأنها في سباق لتلبس الطفلة ثياب المدرس وتمشط شعرها وتسمع صوته البعيد القادم من المطبخ وهو يخبرها بأمر ما لا يهمها على الإطلاق، سيرك يومي حقيقي وهي فيه اشبه بالبهلوان الذي يلعب على كل الحبال ليرضي جميع الأطراف دون ان يرى احد وجهه الحقيقي المختفي خلف طن من الألوان!في النهاية قبلة للطفلة ولزوجها- على سبيل الروتين- على الباب، وتغلقه خلفهم لتتنفس الصعداءالمنزل الآن أشبه بساحة معركة، كل شيء مبعثر وخصوصا في غرفة ابنتها حيث تستبدل ملابسها كل صباح وتلعب كل مساء، قبل ان تفتر همتها تبدأ في الترتيب وجمع الأغراض، لكن اولا تعبث في هاتفها المحمول قليلا، تشغل الراديو عليه، تتنقل بين المحطات بلا هدف، تلتقط اذانها المقدمة الموسيقية لأغنية قديمة، تعرف انها سمعتها من قبل كثيرا لكنها بالفعل الآن لا تذكرها، تركت الموبايل بعد ان رفعت صوته، وبدأت في العمل، لحظة واحدة وتذكرت الأغنية (ساكن في حي السيدة)، ابتسمت على الرغم منها (عبد المطلب) وصوته الذي يبعث على البهجة، على الرغم منها ابتسمت مرات عدة وهي تجمع العاب ابنتها وتعيد ترتيب الاشياء.( وكل واحد غنى قال، قااااال، عااااشق وقلبه مش هنا، وانا قلبي متحير ما بين السيدة وسيدنا الحسين)بدى الأمر لها مسليا وهى تسمع الأغنية، حتى انها عملت بسرعة اكبر، غريبة هي الأشياء التي تسعدنا في بعض الأوقات، ربما هي الذكرى او الشعور الذي يثيره الشيء وليس الشيء نفسه،(ياريت يكون لي معاه نصيب، والحب يجمعنا سوا، والفرحة تبقى فرحتين من السيدة وسيدنا الحسين )ابتسمت وهى تفكر، كم كان الحب بسيطا في الماضي، بسيط ككلمات الاغنية، ولكنه غنى ومبهج وجميل كلحنها، لا تعرف هل هي فقط من تفتقد تلك الحرارة ام ان الوضع عام، انتهت الاغنية وتوالت بعدها الأغاني، واستمرت هي في العمل، متشبعة بحالة موقتة من الرضا عن العالم، انتهت من الترتيب واعادة الاغراض الى مكانها في غرفة ابنتها، واستلقت قليلا على فراش ابنتها الصغير الأبيض الذي ينام فيه زوجها الأن، استرخت قليلا وهي لا تفكر في أي شيء، حركت رأسها قليلا وهي تعبث بخصلات شعرها، لها شعر كستنائي كثيف، كان يثير زوجها في السابق، دفنت رأسها في الوسادة المشبعة برائحة كريم الحلاقة الخاص به، في الماضي كان مجرد استنشاقها لرائحته يجعلها تشعر انها تحتضنه!، الآن فقط تجعل رائحته تقرر ان عليها استبدال اغطية الفراش مع الوسادة!نهضت فورا متجهه الى غرفتها لتحضر ملاءة واغطية نظيفة للفراش، عندما رأت ذلك الكيس المنتفخ الضخم الذى يحتل الرف الأخير من الدولاب كاملا، عقدت حاجبيها للحظة وهي تفكر، لا، بالتأكيد لم تنسى ما بداخله! لكنها فقط تفكر هل اخراجه الآن سيكون مناسبا، القت نظرة سريعة على الساعة، لا يزال الوقت مبكرا، حسمت امرها بسرعة، اخرجت الكيس، كان ثقيلا، ووضعته في حرص فوق الفراش، التقطت نفسا عميقا وارتجفت يدها على الرغم منها وهي تخرج ثوب زفافها الأبيض من ذلك الكيس الضخم، كان مجعدا كحلم قديم، وباهتا كقمر بين الغيوم، باختصار كان بعيدا وقديما كأشياء اخرى كثيرة في هذا المنزل، لكنه لم يكن مغبرا على الأطلاق، كان نظيفا كداخلها، فردته على الفراش بحذر وتحسسته كثيرا، غريب جدا انها نسيت تفاصيله كما لو انها لم تراه اصلا من قبل! لمعت عيناها وهى تتذكر بحثها عنه ورؤيتها له للمرة الأولى، سعادتها لحظة ملامسته لجسدها النضر، غريب ان هذا الثوب القديم الممدد على الفراش كان حلم حياتها في فترة ما!، عجيب هو منطق البشر الذي يختزل شيئامعنويا كبيرا كالأحلام في اشياء مادية ضيقة موقتة!المدهش ان كل هذا يبدوا منطقيا حتى اللحظة التي يتحقق فيها الحلم، لحظة الحقيقة التي نكتشف فيها ان القمر ليس قرصا دائريا يشع نورا بل هو ارض مظلمة ممتلئة بالصخور الجافة!حملته بين يديها و وضعته على جسدها، كم كان ثقيلا ومبالغا، لو اختارت من جديد الآن كانت ستختار ما هو اخف وابسط بالتأكيد!تأملت نفسها امام المرآة، بدت مضحكة ببشرتها الشاحبة وشعرها الباهت المشعث وثياب نومها الشتوية الثقيلة تظهر من تحته، لمحت انعكاس صورة زفافها في المرآه، للحظة لم تتعرف على نفسها ولا حتى على الثوب وكأنه ايضا اختلف مع مرور الوقت وليس هي فقط من اختلفت، لا تعرف لماذا فجأة شعرت بالغيظ والضيق! لا تعرف كيف اقتحمت تلك الفكرة عقلها وتربعت فيه، ولكنها فجأة وجدت نفسها تتجرد من ثيابها وترفع ثوب زفافها محاولة ارتداءه، كان ثقيلا بالفعل، ولكن الامربالنسبة لها كان يستحق المحاولة حتى انها لم تشعر بأي برد، بل تعرق جسدها وهى تحاول ان تحشره داخل الفستان، كان الثوب ضيقا جدا، وكأنه لم يكن لها من الأساس، بدى الأمر اشبه بالمشاجرة، بذلت جهدا حقيقيا وتسارعت انفاسها، كانت تحاول ان تختزل كل الشحوم والسنين والذكريات التي فرضها عليها الزمن داخل حيز الفستان الضيق، لكن كل محاولاتها فشلت تماما، بمجرد ان وصل الفستان الى خصرها وبدأت في رفعه لتغطي صدرها حتى اكتشفت ان الأمر مستحيل تماما حتى اكمامه القصيرة ضاقت تماما واصبح اغلاق سحابة بحاجة الى معجزة، نظرت الى نفسها بذهول بدى مظهرها اشبه بلقطة من فيلم هزلي، ولا تعرف بالضبط متى بدأت بالبكاء، لكنها جلست ارضا واخذت تبكي بحرارة وكأنها بلا ارادة تفرغ كل ما بداخلها من استياء واسى على ما وصلت اليه، وكأنها فقط كانت بحاجة الى ثوبها القديم الضيق ليفجر كل ما تخفيه داخلها من مشاعر، نهضت وهي تحاول بالفعل الخروج من طيات الثوب، كان قماشه يخزها كالأشواك، بذلت جهدا حقيقيا حتى انفصلا، القته ارضا في غل، وارتدت ثياب نومها وهي تشعر بإرهاق بالغ، لكنها، ذهبت الى الحمام بعد ذلك، وغسلت وجهها، وقفت امام مرآة الحوض بتماسك وكأنها تحاول استعادة نفسها، غريب ان الراديو لايزال يبث الأغاني القديمة، نظرت الى الساعة فوجدت ان كل هذا لم يستغرق الربع ساعة وهي التي ظنت ان عمرا كاملا قد مرّ عليها منذ حاولت ان ترتدي الفستان!عادت الى غرفة نومها، اعادت وضعه في كيسة الضخم، عدلت من حال شعرها واضافت لمسات قليلة من اللون لبشرتها، بحثت عن ثياب لها اكثر اناقة وارتدتها، لم تنظر في المرآه مرة اخرى لكنها عادت لتركز في الأغاني التي يبثها الراديو، (والهوى اه منه الهوى).تنهدت من جديد، اخرجت حملها الثقيل و وضعته في الردهة، اعادت تنظيم بعض الأغراض على حسب وضع الدولاب الجديد، واثناء اعدادها للغداء حاولت ان تجدد في الأصناف، احيانا لا نكون بحاجة الى الآخرين لنتحسن يكفي ان نبدأ بأنفسنا، هكذا قالت لنفسها وهي تعد حلوى ابنتها المفضلة، ابتسمت وهي تتذكر بعض كلمات ابنتها التي تنطقها بتعثر، هناك ما يستحق ان نعيش لأجله مهما كانت الظلمة حالكة، وهناك لحظات وابتسامات تنير كألف شمس لمدى الحياة، واثناء الغداء لم يلحظ زوجها أي تغيير، وكأن شيئا لم يحدث، فقط تناولوا الطعام بهدوء كالمعتاد، اخبرته كملاحظة عابرة انها تنوي ان تعلن عن ثوبها للبيع في احد مواقع الانترنت، سألها بدهشة حقيقية(أي ثوب؟!)وعندما اخبرته، عاد ليسأل بالدهشة نفسها:(ولماذا ؟ هل انتِ بحاجة لمال؟!)قالت وهي تهز رأسها بلا معنى:(لا، فقط يحتل مكانا كبيرا انا بحاجة اليه في الدولاب)قال في عدم اقتناع، وهو يشرب بعض الماء:(افعلي ما تريدين، في النهاية ما هو الا ثوب قديم ضيق!)اجابته في خفوت وهي تخفض رأسها:- بالتأكيد.