لم تكن حيازة الكتب يومها أمراً هيناً، صحيح أن شكاوى عدة تصدر من مثقفين وناشرين عن تراجع نسب القراءة مقارنة بالدول المتقدمة، لكن هذا لا يعني أن حائزي الكتب يحظون بالتقدير والتشجيع، ففي بعض الأحيان تتحول حيازة الكتاب إلى نقمة تودي بصاحبها إلى السجن كاتباً كان أو قارئاً.ضجة كبرى حول جورج أورويل «1903-1950» وروايته «1984» التي ضُبطت مع طالب وتم اعتبارها حرزاً!ليست المرة الأولى، ولا الأخيرة التي يعد اقتناء «كتاب» معها أمرا مثيرا للشك والريبة: حين كتب صنع الله إبراهيم روايته «تلك الرائحة»، الصادرة العام 1966 وتعرض لأشكال عديدة من الاضطهاد، حيث تمت مصادرة الرواية، وبالطبع تم اعتبار اقتنائها أمرا غير مقبول.هكذا يتحدث الناقد والشاعر شعبان يوسف عن واحدة من مئات الحالات التي تحولت خلالها الكتب إلى وسيلة إدانة.وقال: «هناك كاتب مصري يكاد يكون مجهولا اسمه يحيى إبراهيم، كتب روايتين، الأولى هي «الجنون العاقل» والثانية «المسافر»، بهما خروج جنسي وسياسي كبير، تمت مصادرتهما ومنعهما من التداول، من بعدها سافر المؤلف ليقيم في فرنسا.وأيضا رواية «الصقار» لسمير غريب علي التي أثارت مشكلة وقت صدورها وهاجمها فهمي هويدي في جريدة الأهرام، حيث تمت مطاردة المؤلف حتى هاجر إلى فرنسا، حيث حصل على الجنسية الفرنسية وأقام هناك أيضا حتى الآن.لدى شعبان حكايات عديدة حول الكتب التي أودت بكتابها وقرائها، وقال: «لدينا رواية علاء حامد «مسافة في عقل رجل» التي تم حبسه بسببها، وحصل على حكم لأن الرواية فيها خروج ديني، ويعتبر خروجا سياسيا إلى حد كبير، أيضا صلاح الدين محسن، الذي كتب رواية دخل بسببها السجن ولدى خروجه تبرأ منه اتحاد الكتاب، فسافر إلى كندا، حيث حصل على الجنسية الكندية وظل هناك حتى الآن، ورواية نجيب محفوظ «أولاد حارتنا»، تسببت في محاولة اغتياله من جانب الجماعات الدينية، وقد ركز نجيب محفوظ على مسألة الكتب سيئة السمعة في أحد أعماله وهو «الكرنك».شعبان يوسف، الذي عاصر حقب عبدالناصر والسادات أكد أن دواوين أحمد فؤاد نجم، وروايات صنع الله إبراهيم وبالذات رواية «اللجنة» وكتب يوسف القعيد، خاصة «يحدث في مصر الآن»، و«الزيني بركات» لجمال الغيطاني التي تتحدث عن كبير البصاصين والقمع البوليسي، كلها أعمال كانت حيازتها تعد دليل إدانة للنشطاء السياسيين، وتم اعتبارها في قضايا عديدة أحرازا لدى المقبوض عليهم، ويقول:«أعمال أخرى لسعد مكاوي وأشعار مظفر النواب، وقصيدة خبز وحشيش وقمر لنزار قباني، وكتب نقد الفكر الديني ونقد فكر المقاومة لصادق جلال العظم، دائما ما وجدت ضمن الأحراز، باعتبارها روايات شبه ممنوعة، ناهيك عن كتب سيد قطب وحسن البنا وغيرهما، لكن بعض الكتب تتحول وأصحابها إلى جريمة بلا مزاح أو احتمالات كما في حالة محمد عبدالسلام فرج وكتابه «الفريضة الغائبة» الذي أدى إلى مقتل السادات، وقد تم إعدام المؤلف ضمن الـ 24 الذين تم إعدامهم.«حيازة كتاب لا تعد جريمة، لكنه يتحول إلى حرز في لحظة ضبط متهم معين مع بقية الأشياء الموجودة معه لحظة القبض عليه»، هكذا يتحدث أستاذ القانون الجنائي في جامعة عين شمس الدكتور نبيل سالم.مؤكدا أن تحريز الكتب وخلافها من التفاصيل الصغيرة التي تثير سخرية البعض كالدبابيس والأوراق والملابس يتم لاحتمال أن يكون لها علاقة بالحدث الذي يجري التحقيق فيه، وبالتالي الكتاب يمكن أن تكون له علاقة بهذا الحدث وشخص المتهم، إذا كان قد أثر في تحريكه وفي تصرفاته.«هل يعني ذلك علاقة الكاتب بالقضية إن كان كتابه قد أثر على المتهم؟» سؤال يراود الكثيرين.لكن سالم يؤكد أن الكاتب وإن تسبب كتابه بالقبض على أحدهم، لا علاقة له بالأمر، وقال: «الأصل أن الكتب والروايات والقصص تدور في فلك خيالي لا صلة له بواقع الحياة، وهي بالأحرى مزيج من الواقع والخيال، يلعب الخيال فيه الدور الأكبر وبالتالي إذا تأثر شخص ما بالخيال الذي يضمه الكتاب وطبقه على أرض الواقع فيمكن أن يكون للكتاب في هذه الحالة أثر في حمل الشخص على سلوك».
محليات - ثقافة
على خلفية اعتبار رواية «1984» حرزاً
قضية / الأعمال المثيرة للجدل ... كتّابها مهاجرون وقرّاؤها في السجون
09:06 م