بدت الصورة كاملة...نساء شابات بابتسامة واثقة، يقفن في دفعة وكلاء النيابة الجدد، وفي المنتصف وقف رجال القضاء. ولكن الصورة التي اكتملت بنساء القانون على جانبيها انقصت منهن واحدة...واكثر.كانت شروق الفيلكاوي خريجة الحقوق بامتياز قضيةً انشغلت بها وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء في العام 2009...ولا تزال!فشروق التي خاصمت وزارة العدل في شهر سبتمبر من ذلك العام بسبب رفض تسلم الوزارة أوراق تعيينها، على اعتبار أن القبول لـ «الذكور فقط» انتهت قضيتها بالرفض، بحكم أن «التعيين في وظائف القضاء يستند إلى السلطة التقديرية للجهة الإدارية» التي أرتأت تغليب بعض الآراء الفقهية الرافضة تولية المرأة منصب القضاء. وردت ادارة الفتوى والتشريع دفاعاً عن وزارة العدل في دعوى شروق أن «لجهة الادارة حرية تقدير ما إذا كان الوقت لم يحن بسبب بعض الاعتبارات الاجتماعية لأن تتولى المرأة القضاء».قضية شروق التي وثقتها الصحف في عام 2010 بـ «شروق حق المرأة» و«حلم اكتمال الحقوق» و«شروق بلا فجر» أثارت موجة من التأييد من حقوقيين وسياسيين. وكانت المحامية الموكلة إليها القضية العنود الهاجري اسما تردد طويلاً في اروقة المحاكم، وفي قاعات جمعية المحامين وجمعيات النفع العام، في إطار حملة نسقتها العنود الهاجري مع تأسيسها جماعة ضغط باسم «التضامن مع حق المرأة في العمل في النيابة العامة والقضاء (عدالة)».والحملة التي انطلقت يوم 20 مارس 2010 رداً على رفض المحكمة الادارية لقضية شروق في درجات التقاضي الأولى، تواصلت لتحصد تأييداً مجتمعياً وحقوقياً لافتاً، تجسد في دعوتها من قبل جمعيات نفع عام مختلفة لاستضافة ندوات للتوعية بأهمية بلوغ المرأة مكان النائب العام المؤدي الى مهنة القاضي.واعتبرت الحملة أن هدفها «خلق ثقافة عامة من اجل حصول المرأة على هذا الحق، عبر مواجهة رفض وزارة العدل، وبالتالي الحكومة لهذا الحق قضائياً وسياسياً وبرلمانياً واعلامياً ومجتمعياً»، وحاورت المتشددين اجتماعياً ودينياً، بأن «وجود المرأة في قضايا الأحوال الشخصية على سبيل المثال حاجة ماسة نظراً لتفهمها طبيعة النساء».وفيما بدا تركيز الفاعلين الاجتماعيين مكثفاً لجهة دعم تقلد المرأة لمنصب وكيل النيابة والقاضي، كان صوت التشريعيين خافتاً في المطالبة «بحق دستوري تقره المادة 29 من الدستور، ولا يمنعه القانون المنظم لعمل القضاء»، فخلت ساحة النواب الإ من اسئلة برلمانية وجهتها النائبة في عام 2010 الدكتورة اسيل العوضي إلى وزير العدل جمال الشهاب.وزاد البعض ضعف المطالبة النيابية بإنصاف المرأة العاملة في مجال القانون بعراقيل وضعت في مسعى المطالبة بقبول النساء، منها رفض لجنة العرائض والشكاوى في مجلس الامة لشكوى تقدمت بها شروق الى المجلس في عام 2012.رأى الإعلام محلياً وخارجياً في قضية شروق وفي محاولات العنود من خلال حملة «عدالة» حدثاً بارزا، وكانت الحملة التي قادتها المرأتان محل اهتمام وحوار.وبتشريع شروق باب الحلم للأخريات، دار في المجتمع حديث اتصل حول الحقوق والواجبات، ثم تنادى المتحاورون باسم «الاختلاف رحمة»، لينفتح باب النقاش على تعدد الآراء الحقوقية والقانونية وحتى الدينية الفقهية. وجاء كل بحججه وعرضها، فقال القائلون بالحق الدستوري ان «الدستور الكويتي يؤكد في عدد من مواده المساواة بين المواطنين»، ومنها المادة رقم 29 والتي تنص على أن «الناس سواسية في الكرامة الإنسانية وهم متساوون لدى القانون، في الحقوق وفي الواجبات العامة، لا تمييز بينهم بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين»، كما ان «لكل مواطن الحق في العمل في أي من السلطات الثلاث من دون تمييز بسبب اللون أو الجنس».وذكر بعض المحاورين أن منطلق الاعتبارات والمواءمات الاجتماعية الذي تتحجج به وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء لا ينطبق على هذه الحالة، إذ إن المرأة مقبولة بالفعل للعمل في ادارة الاستشارات الأسرية، وهي وظيفة شبيهة بالمهنة القضائية، وايضاً في ادارة الخبراء تعمل المرأة ويوخذ برأيها، وفصلها في منازعات فنية، فضلاً عن قبول الإدارة العامة للتحقيقات تعيين النساء محققات في جرائم الجنح، وهي الوظيفة القريبة من عمل النيابة العامة في الشق الجنائي للجرائم.واستشهد مؤيدون بموافقة مجلس الأمة في عام 2011 على نقل تبعية الادارة العامة للتحقيقات من وزارة الداخلية الى جهاز النيابة، وما يعنيه من أن المرأة صارت جزءاً من النيابة العامة «بحكم الواقع».بعد شروق جاءت مروة الصيرفي، وخمس من زميلات دفعتها الدراسية في اغسطس من العام 2011، جئن بدعاوى مماثلة لقضية شروق عقب رفض وزارة العدل تسلم ملفات تقدمهن لشغل الوظيفة. لكن الملف الذي تسلمه آنذاك ثقل العجمي محامياً عن المدعيات كان بداية «الخطوة الكبيرة» التي اتخذها القضاء في حكم وصف بالتاريخي صدر في 22 ابريل من عام 2012 وقضى بإلغاء القرار الوزاري الذي قصر التقدم لوظيفة وكيل النيابة وبالتالي القضاء «على الذكور فقط». واعلن حينها العجمي بأن «القانون رقم 24 لسنة 1994 المتعلق بالموافقة على اتفاقية القضاء على جميع اشكال التمييز ضد المرأة، والقانون رقم 12 لسنة 1996 والمتعلق بالموافقة على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية كلاهما ألزم صراحة الدولة وجميع سلطاتها بالمساواة بين الرجل والمرأة في شغل جميع الوظائف العامة».لاقى قرار المحكمة التاريخي رفضاً من الغالبية الإسلامية في مجلس 2012 المبطل الاول الذين جادلوا استنادا إلى رأي فقهي يرفض تولية المرأة منصب القضاء، وحاولوا تعديل القانون المنظم للقضاء ليمنعوا وصول النساء إلى الوظيفة، وقال النائب عن التيار السلفي (التجمع السلفي) عبد اللطيف العميري حينها ان «ليس هناك مساواة مطلقة» وان القرار رغم سريانه قانونياً «لن يطبق بسهولة».لكن نساء القانون اللاتي سعين إلى «كسر الحاجز» قلن لوسائل الإعلام المحلية والأجنبية في ذاك الوقت أن مخاصمتهن الجهات العدلية دافعها التمسك بالحقوق حتى وإن لم يفزن بالوظيفة. فقالت إحداهن وهي ضحى العازمي ان «المسألة لا تتعلق بقبولي للوظيفة من عدمه، المهم هو أن تكون لي الفرصة للتنافس مع غيري من المتقدمين».في سبتمبر من العام 2012 اصدر المجلس الأعلى للقضاء قراراً بقبول 22 من خريجات كلية الحقوق في معهد الدراسات القضائية، للعمل بعد ذلك في النيابة، فيما بدا نهايةً لجدل «المرأة القاضية». وقبلت أوراق الباحثات المبتدئات للتدرب ضمن الدفعة الـ 13 من وكلاء النيابة. لكن «قضية المرأة» التي بدأتها شروق، فالعنود، ثم مروة، والأخريات، وكسبتها 22 من خريجات الحقوق بعد اربع سنوات، لم يقفلها قرار المجلس الأعلى للقضاء ولا حكم المحكمة النهائي بقبول النساء، وظلت «المواءمات الاجتماعية» تحكم الموقف، فأصدر مجلس القضاء بياناً بعد اعلان عن امتناع قبول النساء مجدداً في العام التالي، موضحاً أن «المجلس ارتأى التريث موقتاً في قبول المرأة كباحثة قانونية لهذا العام، ولمدة محدودة، ريثما يتم تقييم عملها في النيابة العامة»، ومستدركاً أن «ذلك لا يعدو أن يكون وزناً لمناسبة تعيين المرأة في هذه الوظائف العامة، وقد راعى المجلس بمقتضى سلطته التقديرية شتى الاعتبارات من أحوال الوظيفة وملابساتها وظروف البيئة وأوضاع العرف والتقاليد في البلاد».عادت السلطة تقديرياً الى «جهة الاختصاص» وهو عملياً مربع انطلاقها الاول، وعاد نواب مجلس الأمة يتغاضى بعضهم عن «القضية» من باب «المواءمة» وان كانت سياسية هذه المرة، وعاد بعض النواب يحاول تقييد حلم «المرأة في القضاء».ومن خلال اقتراح جديد أراد إسلاميون من مجلس 2013 تعديل قانون القضاء مرة أخرى نفاذاً من باب قانون «استقلال القضاء» قبل ان يلاقي طلبهم الرفض.لكن العودة الاكثر تأثيراً في دائرة «المواءمات» كانت حين مضى وزير العدل الحالي يعقوب الصانع بقرار تعيين الوكيلات فكانت...الصورة.وكانت قوة البقاء...للباحثات عن شرف المحاولة، وشجاعة الاستمرار، ولمرأة شابة صنعت المستقبل ذات يوم، ولحملة اجتماعية ذات صيت، ولرجال في «العدالة»، ونساء أخريات. ولم يختف شعار «التضامن مع حق المرأة في العمل في النيابة العامة والقضاء» وإن توارت عن النظر اول الرافعات، ولم يخفت بهاء «صورة» الوكيلات الجدد...وان كانت «ناقصة»!