«الراي» تفتح ملف الأسرى اللبنانيين عشية إقفاله / الحلقه الرابعة

يبدو أن ملف الأسرى اللبنانيين طُوي نهائياً بين لبنان وإسرائيل بعد قبول كلٍ من «حزب الله» وتل أبيب على الصفقة التي تقضي بإطلاق سراح جميع المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وهم خضر زيدان، محمد سرور، ماهر كوراني، وحسين سليمان، إضافة إلى رفات جميع المقاتلين اللبنانيين والعرب الذين انطلقوا لمحاربة إسرائيل من لبنان، وكشف مصير المفقودين اللبنانيين وتسليم تقرير عن مصير الديبلوماسيين الإيرانيين الذين اعتقلتهم «القوات اللبنانية» عند حاجز البربارة شرق بيروت، مقابل تسليم إسرائيل تقريراً عن مصير الطيار رون أراد، ثم الإفراج عن الجنديين الإسرائيليين اللذين أُسرا في 12 يوليو 2006 وتسليم «أشلاء» عدد من الجنود الإسرائيليين الذين سقطوا أثناء الهجوم على لبنان، على أن تحدد تل أبيب في مرحلة لاحقة عدد الأسرى الفلسطينيين الذين تنوي إطلاق سراحهم.«الصفقة» التي احتاجت مفاوضات شاقة وطويلة للوصول إليها والإعلان عنها لا يمكن أن تكون خاتمة عمليات التبادل، أو بالأحرى لا يمكن أن تكون خاتمة المفاوضات بين إسرائيل و«حزب الله» في شأن الأسرى العرب، وتحديداً الفلسطينيين، خصوصاً إذا ما تم الأخذ في عين الاعتبار قضية مساعد الطيار الإسرائيلي رون أراد الذي اعتُقل العام 1986 بعدما قفز من طائرته التي سقطت أثناء هجوم على جنوب لبنان (شرق مدينة صيدا)، الطيار تم إنقاذه من قبل طائرة كوبرا إسرائيلية. أما الملاح أراد فلم يستطيعوا إنقاذه، نظراً إلى عدم تحديد مكانه وغزارة نيران المضادات الأرضية وانتشار المقاتلين على الأرض، حتى وقع في قبضة حركة «أمل» الشيعية التي يرأسها نبيه بري. لكن المسؤول الأمني في «أمل»، الذي كان أراد في حوزته، مصطفى الديراني انفصل عن الحركة لأسباب تنظيمية، وأسس حركة «المقاومة المؤمنة». أما أراد فاختفى بعد أعوام ثلاثة من اعتقاله أثناء الهجوم الإسرائيلي على قرية ميدون الجنوبية، وقيل إن أراد استطاع كسر قفل الغرفة التي كان محتجزاً فيها، وفرّ إلى أن لقي حتفه، أما جثته فلم يُعثر عليها!«ساعة الصفر» دقت، وبدأ العد العكسي في بيروت لاستقبال الأسرى اللبنانيين، وعلى رأسهم سمير القنطار الذي اعتُقل في العام 1979 أثناء هجومه مع مجموعة من «جبهة التحرير الفلسطينية» في نهاريا وحوكم بالسجن 542 عاماً. لبنان الذي أرقته الفتن الداخلية المتنقلة على موعد مع «الوحدة» بعد «حكومة الوحدة الوطنية»، أما الأمين العام لـ «حزب الله» حسن نصرالله الذي لن يكون في استقبال المحررين لأسباب أمنية فسيلقي خطاب «نصر من الله»، بعدما أطلق على عملية أسر الجنديين عام 2006 «الوعد الصادق».«الراي» تفتح على حلقات ملفاً يغطي جانباً من تاريخ الصفقات، وجوانب من الصفقة المرتقبة، خصوصاً المتعلقة بسمير القنطار والأسير يحيى سكاف الذي سيحدد فحص الحمض النووي إذا ما سقط في العملية التي نفذتها الفلسطينية دلال المغربي قرب تل أبيب العام 1978.

والدة سمير القنطار: قبّلنا وودّعنا وقال «غيبتي طويلة» نعدّ الأيام والساعات بانتظاره... ونصرالله صادق الوعد

|    بيروت - من أحمد الموسوي   |

عبيه بلدة جبلية جميلة. هواها السياسي مع وليد جنبلاط، زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، وأبرز قادة قوى 14 مارس.من هذه البلدة انطلق سمير القنطار قبل ثلاثين عاماً مع مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين لتنفيذ عملية فدائية في «نهاريا» شمال فلسطين، حيث أصيب وجُرح وأسُر ودخل السجن محكوماً بـ 542 عاماً وراء القضبان، ليتحول لاحقاً الى أقدم أسير، وإلى عميد الأسرى والمعتقلين العرب في سجون الاحتلال الإسرائيلي.بعد أيام معدودات، سيطلق سراح القنطار في عملية تبادل للأسرى بين «حزب الله» وإسرائيل. حدث كبير سينشغل به لبنان، والعرب وربما العالم بأسره، فالعائد لن يكون وحيداً، سيرافقه أربعة لبنانيين من مقاتلي «حزب الله» أُسروا في حرب يوليو 2006، وخلفهم سيعود جيش من جثامين الشهداء اللبنانيين والفلسطينيين والعرب الذين سقطوا على أرض فلسطين في عمليات فدائية، انطلاقاً من أراضٍ لبنانية ما بين العامين 1977 و2006. الحدث يوم العودة المنتظر لن يكون عادياً اطلاقاً. سيحمل مئتي جثمان ورفات، مئتي جنازة من مقابر الأرقام العبرية المجهولة والمنسية الى مقابر الأسماء العربية التي ستروي مئتي حكاية عن فلسطين والمقاومة وحلم الوحدة العربية، وعن الزمن السياسي الذي كان ينتمي إليه سمير القنطار حيث انطلق من بلدته عبيه اللبنانية وراء حلم تحرير فلسطين.ربما لم يتغير ذلك الزمن... ربما! لكن سمير حين يعود سيجد وجهات نظر أخرى بانتظاره في لبنان وفي بلدته، عن فلسطين والمقاومة والتحرير والوحدة والصراع مع إسرائيل. فبلدته المطلة على بيروت وعلى الطريق الدولية الساحلية التي سيسلكها موكب العائدين المحررين لا تبدو مهتمة. لا زينة ولا صور، لا مظاهر تُرحّب بالآتي من أسر ثلاثين عاماً. هذا الشعور لا يفارقك وأنت تدخل الى البلدة، إلا حين تصل الى منزل عائلته المنهمك والمنهك باستقبال إعلاميين وتوديع آخرين.

ورد وصورمنزل والده المتوفى، صغير، جميل، متواضع، وَرْدّ متعدد الألوان في الخارج، وفي الداخل صور لسمير، صورة تجمعه مع الامين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين احمد سعدات، وصورة اخرى تجمعه مع القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي، وقد التقاهما في الأسر، وصورة للسيد حسن نصرالله، وحده، إذ لم يلتقِه بعد.في إحدى الرسائل من السجن إلى ذويه يقول سمير: «في المعتقلات الإسرائيلية التقيت كثراً من المناضلين من الجنسيات العربية كلها. في السجن الإسرائيلي فقط يجتمع العرب ويتوحدون عن قضيتهم الاساسية فلسطين».

... إلى فلسطين«والدة» سمير (هي في الحقيقة زوجة أبيه التي رعته وربته بعد وفاة أمه) تجهد في كرمٍ ولطفٍ وتقديرٍ كبيرٍ لاهتمام وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع، تجهد لأن تكون على مستوى حدثٍ بحجم اعادة كتابة جزء من تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي يمتد نحو ثلث قرن الى الوراء، إلى الأيام التي بدأت تلاحظ على سمير تبدلات في حياته وسلوكه، تخفي التحاقه بالعمل الفدائي مع «جبهة التحرير» بقيادة طلعت يعقوب، المنشقة عن «جبهة التحرير الفلسطينية» بقيادة «أبو العباس» المنشق بدوره عن حركة «فتح».هي اعتادت ان يغيب سمير عن المنزل أياماً، لكن في المرة الأخيرة التي غادر فيها المنزل ولم يعد، أحست بأن غيابه سيطول هذه المرة، وعن تلك اللحظات تقول: «جاء وودعني وداعاً مؤثراً ثم عانق اخوته وقبلهم قبلات مليئة بالحنان وكأنه لم يرهم من زمن طويل، فقلت له يبدو ان غيبتك ستطول هذه المرة، فأجابني: غيبتي طويلة. ثم غادر فشعرت أنه سيقدم على أمرٍ كبير، لكنني لم أعرف تحديداً ما هو، ثم عرفت أنه مضى إلى فلسطين».• هل كنت تتوقعين أن يعود؟- بعد أن علمنا بأمر العملية التي نفذها، وعرفنا أنه مازال حياً وتم أسره، لم نفقد الأمل بعودته، وكنا دائماً نعد الأيام والساعات بانتظار اللحظة التي سيرجع فيها إلينا وإلى وطنه.• أكثر من مرة حصلت محاولات لتحريره ولم يكتب لها النجاح. هل تشعرين هذه المرة أن إسرائيل ستفرج عنه فعلاً؟- هذه المرة نعم باذن الله، وبفضل السيد حسن نصرالله الذي وعد بأن عملية التبادل لن تتم إلا اذا كان سمير على رأس الأسرى المحررين، هو في المرة السابقة بذل كل ما أمكنه، لكنه لم يوفق بسبب التشبث الإسرائيلي بقرار عدم الإفراج عنه، لكنه عاد ووعد بتحريره ووفى وكان صادق الوعد.• بتقديرك ما أول شيء سيفعله سمير حين يعود؟- لا أعرف، لكني سأبصم له على بياض على كل شيء يريد القيام به.• وأنت ما أول شيء ستفعلينه؟- سأعانقه وأقبله كثيراً ثم لا أعرف ما سأفعل بعدها، لكني سأكون في استقباله بكل فرح وشعور بالعز لأن ما قام به في فلسطين عمل بطولي يرفع الرأس، وهو ضحى مع رفاقه من أجل قضية أمة وليس لأجل قضية شخصية.• قد يفرج عنه على الحدود في الناقورة، فهل ستذهبين لاستقباله هناك؟- بالتأكيد سأذهب، وسأذهب لاستقباله في أي مكان آخر ولو أبعد من ذلك، ولبنان كله سيكون بانتظاره هو ورفاقه وسيستقبلهم استقبال الأبطال.• هل ستزوجينه؟- إن شاء الله هذه أمنيتي.• هل اخترت العروس؟- لا، وأهلاً وسهلاً بأي فتاة سيختارها حين يعود.• هل تتوقعين أن يستمر في نضاله السابق؟- طبعاً، لن يتخلى عن القضية والمبادئ التي آمن بها، ولا عن قضية فلسطين التي هي قضية العرب كلهم، ويجب أن تتحرر وتعود الى أهلها.أثناء الحديث معها، تتلفت أم سمير بين الفينة والأخرى حولها، وكأنها تحصي عدد الإعلاميين الذين ينتظرون، وتنتظر أن تلتقيهم اليوم، وعلى مدى الأيام المقبلة الى حين انجاز عملية التبادل، هي لا تبدي انزعاجها إطلاقاً، لكنها سعيدة كما تقول، حتى ولو سمعت الأسئلة نفسها وكررت الاجابات ذاتها، وتقول: «كنا نتحضر لذلك، فأنا وبقية الأسرة لم نفقد الأمل يوماً بعودة سمير وتأكيداً وتشبثاً بهذا الأمل، اشترت له العائلة شقة في منطقة خلدة ليقيم فيها بعد عودته».

قلعة الأيامولكن، لماذا في خلدة وليس في بلدته، وهل لذلك علاقة بالانقسامات السياسية الحادة التي يشهدها لبنان بين قوى 8 مارس التي تدخل خلدة في نطاق نفوذها، وبين قوى 14 مارس التي تنتمي اليها بلدة عبيه سياسياً؟يجيب عن ذلك بسام، شقيق سمير، بالنفي، ويقول: «هذه الشقة اشتريناها منذ العام 1998 أي قبل 8 و14 مارس، وإطلاق الأسرى من السجون الإسرائيلية حدث أكبر من الجميع، وسيكون حدثاً على مستوى المنطقة كلها بدلالاته، وسيكون جميع اللبنانيين باستقبالهم، لأن أحداً ليس بمقدوره أن يتخذ موقفاً سلبياً من هكذا انجاز، هو انتصار للبنان وللبنانيين وللمقاومة، وكما قال السيد حسن نصرالله إن شاء الله يكون يوم عودة الأسرى يوماً وطنياً يتوحد لبنان كله حوله».• حين أسر سمير كان لبنان يعيش حرباً أهلية، وهو يعود اليوم ولبنان يعيش انقسامات سياسية حادة، ففي أي موقع سيكون سمير اليوم؟- سمير، بالعملية الفدائية التي نفذها على أرض فلسطين، أوصل رسالة لجيل بأكمله، وهي أن فلسطين كانت وستبقى القضية الأساسية للعرب، وهي ليست قضية شعب فلسطين فقط، وهذه الرسالة مازالت مطروحة فهو كان يرى أن أتون الحرب الأهلية اضاعت بوصلة البندقية الثورية التي يجب أن توجه الى صدور الأعداء، واليوم يرى سمير أن الجهود كلها يجب أن تتوحد في مواجهة العدو الأساسي، وهو على علم بالأوضاع التي يعيشها لبنان، وإيمانه لم يتراجع عن أن المقاومة حق لدحر الاحتلال الإسرائيلي سواء في لبنان أو في فلسطين أو في أي بلد آخر يقع تحت الاحتلال. ولذلك أعتقد أنه سيعود ويأخذ مكانه الطبيعي في ساحة النضال العملي ليكون كما يقول دائماً في رسائله «قلعة صمود في خدمة وطني».• بعد ثلاثين عاماً سيكون هو نفسه؟- سمير سيكون هو نفسه الذي خرج لتنفيذ عملية نهاريا، هو قال لنا ذلك في آخر رسالة «رحلة المعاناة طويلة والفارق بين اليوم الأول واليوم الاخير هو أن اقتناعاتي التي آمنت بها أصبحت أكثر تجذراً».• هل سيخرج فعلاً هذه المرة من قبضة الاحتلال؟- حين استثنته اسرائيل من صفقة التبادل الأخيرة العام 2004 كانت تريد أن تثبت وترسخ نموذجاً لمنع قتالها ومقاومة احتلالها، ولذلك أصرّت على دفنه حياً في أقبية الموت، لكن المقاومة بدورها قدمت نموذج الصبر والإرادة فانتصرت وصنعت له الحرية ولبقية الأسرى، حتى الأسرى الشهداء، وبهذه التجربة لم يعد سمير القنطار شخصاً تحرر من السجن وحسب، بل تحولت قضيته تجربة هي ملك للإنسانية وقضايا الحرية كلها في العالم. إسرائيل احتفظت به كإرهابي ثلاثين عاماً، ولكن في اللحظة التي سيخرج فيها الى الحرية سيتحول بطلاً في الوجدان العربي.

أهالي عبيه ينتظرون عودة ابنهم من الأسر  (خاص الراي)

بسام القنطار

... ينتظران ثالثهما