في المقال السابق تحدثنا عن مدى الدمار الهائل الذي لحق بقطاع غزة جراء الحرب الجنونية التي خاضها قادة اسرائيل، واليوم نريد طرح هذا السؤال: هل استطاع الجيش الاسرائيلي أن يحقق الانتصار في المعركة ضد قادة حماس وامام المقاومة الفلسطينية الباسلة؟!! بالتأكيد لا...الواقع يقول ان تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن سحب جنوده من غزة ابان الحرب الاخيرة كان خوفا عليهم من القتل والخطف وهذا يعتبر اعترافا صريحا بالهزيمة امام المقاومة الفلسطينية التي اثبتت قوتها وصلابتها وقت الحرب، في حين برّر نتنياهو قبوله بوقف اطلاق النار بين الطرفين لرغبته الحفاظ على الموارد الاسرائيلية وتجنّب مواجهة التهديدات الاقليمية المحتملة في وضع تتواجد فيه اطراف ارهابية اخرى مثل «الدولة الاسلامية» التي تتواجد على ابواب الاردن والقاعدة في الجولان وحزب الله على الحدود اللبنانية.وبالتالي فان امتداد الحرب على غزة اكثر من خمسين يوما قد تدمر قوة الجيش الاسرائيلي تدريجيا وتكون اقرب إلى الهزيمة الساحقة فعليا، لذا قررت الحكومة الاسرائيلية في حينها عدم الغرق في مستنقع غزة والاكتفاء بالاهداف المعينة حتى يعود الهدوء إلى مواطني اسرائيل، فيما اعلنت اسرائيل وقت المعركة عن ارتفاع عدد قتلاها واصابة العشرات خلال العملية العسكرية «الجرف الصامد» فضلا عن سقوط صواريخ المقاومة واستهداف مدن اسرائيلية وهو ما ادى إلى الاعلان قسرا عن وقف اطلاق النار، كما أن الانتهاكات الاسرائيلية جراء الحرب كانت مستمرة علنا ما جعل مجلس حقوق الإنسان التابع للامم المتحدة أن يعلن عن تشكيل لجنة خاصة به لتقصي حقائق العملية العسكرية الاسرائيلية ومدى ارتكاب الجيش جرائم عدة وحوادث جنائية اخرى تمت خلال الهجوم على القطاع وكيفية محاسبة هؤلاء من الجانب القانوني خصوصا في ما يخص عن مقتل اطفال ابرياء على شاطئ القطاع وتدمير مدرسة تابعة للاونروا ومقتل 14 شخصا فيه ناهيك عن عمليات نهب قامت بها وحدات النخبة «غولاني» في حي الشجاعية الذي شهد معارك عنيفة مع الفصائل الفلسطينية المسلحة واطلاق نار على نساء فلسطينيات من دون اسباب بالاضافة إلى عشرات الحوادث الاخرى التي قد تكون سببا لحدوث خروق امنية وقانونية بحق مدنيين عزل، هذا وقد سبق للامين العام للامم المتحدة بان كي مون أن شكّل لجنة تقصي الحقائق بشأن القصف المتعمد لمدارس وكالة الاونروا ومقتل موظفيها من دون ذنب خلال العملية العسكرية!!إذاً، لو ننظر قليلا إلى ابعاد ما آلت إليه الحرب نرى أن هذه القضايا السلبية قد تؤثر تأثيرا مباشرا على سمعة ومكانة قادة اسرائيل وعلاقة اسرائيل مع العالم، فرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو سبق وان اصطدم بحدة مع وزراء ائتلاف حكومته والخلاف الحاد حول ميزانية الدولة للعام المقبل كما أن الحرب على القطاع قد كلفت اسرائيل ميزانية ضخمة تقدر بأكثر من 2.5 مليار دولار على اقل تقدير وهو الامر الذي اجبر نتنياهو يفكر ويوافق على رفع ميزانية وزارة الدفاع لتغطية خسائر الحرب إلا أن طلبه قد قوبل بالرفض من قبل وزير المالية لانه يعلم تماما أن هذه الخطوة ما هي إلا لرفع اسهمه فيها بيد أن الشعب الاسرائيلي لا يستطيع الصمود طويلا امام تقليصات الميزانية حتى ولو كانت تحت عنوان الدفاع عن الوطن والمواطنين، وكذلك من طباع الاسرائيليين محاسبة الوزراء ورئيسهم على اعمالهم وبالتالي كيف ان كانت عن نتائج ما آلت إليه الحرب من خسائر في المال والارواح؟!!هناك محللون سياسيون يقولون ان نتنياهو كان يعلم ما ينتظره ولكنه ذهب إلى الحرب مرغما، لا لكبح مقاتلي «حماس» بل للحفاظ على كرسي الرئاسة الذي تربع عليه بصعوبة وتعطش إليه منذ تسعينات القرن الماضي بعد أن خلع عنه آنذاك، ففي جميع الاحوال ما كان يجب لمواطني اسرائيل أن يسكتوا عن تصرفات نتنياهو بعد أن وقف مكتوف الايدي في ظل الخسائر والهزيمة!!اضف إلى ذلك تلك الانتقادات اللاذعة التي وجهتها الاحزاب الاسرائيلية المتطرفة في حكومته مثل البيت اليهودي ويهودوت حتوراه بسبب الهدنة مع غزة، فهذه الاحزاب مازالت تطالب رئيس الوزراء باعادة احتلال القطاع بشكل كامل وترفض التهدئة منذ البداية.والآن يحاول بنيامين نتنياهو تلميع صورته السياسية والعسكرية بعد فشله في الحرب على غزة كما أنه يحاول بكل جهد عدم تكرار اسقاط حكومته وعزله سياسيا كما حدث له في عام 1999م، فالرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون قد عاقبه بوقف الدعم المادي لحكومته وليس غريبا ان يتكرر هذا الامر مع الرئيس الحالي باراك اوباما ان استمر على نهجه الفاشل مع القضية الفلسطينية، بيد أن الدروس الاخيرة التي تلقاها نتنياهو بعد الحرب قد جعلته عرضة للانتقادات الجارحة ووضعت حكومته على نار هادئة قد يصب الزيت عليها في أي لحظة!!لقد جلس نتنياهو بين نارين واختار نارا ظن أنه قادر على اخمادها بسهولة واقتناص فرحة الفوز إلا أن الحرب على غزة وقدرات الفصائل الفلسطينية المسلحة قد خيّبت آماله إلى أن بدأ يجنح نحو السلم والسلام وهو ما يعني أن الحرب الاخيرة على غزة اثبتت بجدارة نجاح سلاح المقاومة الفلسطينية ضد الاعداء...alfairouzKwt_alrai@hotmail.com