هل نحن على أبواب حرب عالمية ثالثة؟ما يدور في العالم ـ خصوصا في منطقة الشرق الأوسط ـ لا يدعو للاطمئنان، نحن أمام صراعات حادة هي في العمق صراعات ثقافية؛ أي إنها تعبر عن تناقضات بين تصورات مختلفة للحياة والطبيعة الإنسانية ومنطق العلاقات التي تحكم الأفراد والدول على حد سواء. الخطير في هذه التصورات أن أكثرها يظن نفسه الأصح والأكثر تفوقا على الإطلاق وأن ما عداه هو خاطئ وأدنى بالضرورة.ما يجعل السؤال عن احتمالات حرب عالمية جديدة مبررا هو تشابه حالة اليقين الثقافي بالتفوق التي أشعلت حربين عالميتين مع ما نشهده اليوم؛ بعبارة أخرى: هناك يقينيات متناثرة ومتصاعدة في العالم يؤمن أصحابها بتفوقهم الثقافي إيمانا جازما ونهائيا كما كان الألمان يؤمنون في بدايات القرن الماضي بتفوقهم العرقي. يقينيات العالم الجديد بعضها ملتبس بأوهام تفوق عرقي وثقافي دفين لم تزل فاعلة ضمن الثقافات الغربية، وبعضها الآخر ملتبس بيقين ديني هو الأخطر على الإطلاق كما نجد لدى جماعات التطرف الديني اليهودي أو الإسلامي في منطقتنا.من الزاوية الثقافية يضم الشرق الأوسط النوع الأخير من أنواع اليقين بالتفوق المطلق المكتسب مشروعية وجوده من الامتزاج بالدين. والخطير في الأمر هو تشكل أيديولوجيات تستبطن اليقين السابق جميعها يؤمن بتفوقه وامتلاكه الحقيقة. هذه الأيديولوجيات عاشت طويلا في حالة تماس حرج تحديدا في حالة حزب الله وإسرائيل، ثم حماس وإسرائيل، ومن قبل ذلك إيران والتكتلات السنية المجاورة في دول الخليج العربي.الجديد في الأمر هو انتهاء مرحلة التوتر الساكن ذي الاشتعالات الموسمية، وبدء مرحلة التوتر النشط الذي يدق طبول حرب واسعة النطاق ويجد جذوته باستمرار في الصراع المسلح بين الدولة اليهودية وجماعات المقاومة المسلحة التي نشأت كرد فعل على عنف الجانب الإسرائيلي وتصلبه الصلف في المفاوضات الماراثونية حول تقسيم الأرض. لكن هذه الجذوة بدأت في الاتساع مع حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، وازدياد وتيرة المواجهات المسلحة بين إسرائيل وحماس مع ازدياد درجة عنفها بصورة تصاعدية. ثم تأتي الذروة التي نعيشها مع اشتعال الثورة السورية التي ربما كانت العلامة الكبرى على انتهاء فترة التوتر الساكن في المنطقة. لقد انكشفت أغطية كثيرة عن صراعات تتمتع كلها بحالة اليقين الثقافي التي أشرت إليها، الحالة التي تفرز تصلبا لا يشبهه سوى التصلب الألماني في الحربين العالميتين والتصلب الإسرائيلي المتطرف الذي يؤسس نفسه على أن اليهود هم شعب الله المختار.لسنا بحاجة لتأكيد أن توترات المنطقة تقع في القلب من مصالح دول المركز الرأسمالي الغربية، وهي الدول التي يمكنها إشعال حرب عالمية ثالثة؛ حيث ظهرت تناقضات عميقة بين مصالح الغرب الأور/ أميركي من ناحية ومصالح روسيا والصين من ناحية أخرى. أساس صراع القوى العالمية في المنطقة يمكن اختصاره بالترتيب في السعي للسيطرة على مصادر الطاقة، ثم الرغبة في توسيع مناطق النفوذ الاستراتيجي سياسيا واقتصاديا.وبعيدا عن تفاصيل الصراع السياسي/ الاقتصادي بين الدول الكبرى، يبدو الأساس الثقافي مهيأ تماما لدفع حالة التوتر النشط في الشرق الأوسط نحو مرحلة الانفجار، خصوصا أن توتر الشرق الأوسط محاط ببؤر توتر أخرى جاهزة كذلك للانفجار أشهرها منطقة كشمير المتنازع عليها بين الباكستان والهند وحالة الالتهاب المتصلة بين الكوريتين وكذلك القلاقل المستمرة في الداخل الباكستاني والأفغاني. مايعنيني هنا هو حالة اليقين السائدة بين كل عناصر الاشتعال في منطقة الشرق الأوسط بدءا من إسرائيل والجماعات المقاومة ذات الأسس الدينية التي نشأت على هامشها، وأخيرا جماعات العنف الديني في العراق والشام التي تحاول بدفع وتأمين من قوى عالمية أن تدفع الخلاف السني الشيعي إلى مرحلة الصراع، وذلك عن طريق استنفار واستنفاد طاقة اليقين الديني بكاملها، واجتذاب كل من يحلم بإقامة دولة الخلافة القائمة على أكثر التصورات والتأويلات الدينية تشددا وتطرفا. أخيرا تأتي الأزمة الأوكرانية الأخيرة لتكشف لنا أن المواجهة المسلحة بين الدول الغربية الكبرى ليست مستبعدة تماما كما كنا نظن.فهل نحن على أعتاب حرب عالمية ثالثة تتخذ فيها الدول الكبرى من منطقة الشرق الأوسط ساحة للنزال؟
محليات - ثقافة
قوس قزح / طبول الحرب
| د. أيمن بكر |
06:10 ص