يمثّل ما أقدمت عليه كوريا الشمالية، التي قبلت أخيراً التخلي تدريجاً عن برنامجها النووي، الانتصار اليتيم لإدارة الرئيس بوش الابن في السنوات الأربع الأخيرة. لكن الانتصار الحقيقي، في حال تخلت بيونغ يانغ عن برنامجها النووي وقنابلها، هو لكوريا الشمالية نفسها التي بدأت تتعاطى أخيراً مع الواقع وبتردد شديد. ستتردد بيونغ يانغ في تنفيذ التزاماتها بغية الحصول على مكاسب جديدة وستهدد بتعليق المفاوضات مع الأميركيين. ولكن لن يكون أمامها في نهاية المطاف سوى الرضوخ لمطالب الولايات المتحدة والدول المجاورة على رأسها اليابان.ما حصل على الصعيد العملي، أقلّه إلى الآن، أن كوريا الشمالية وعدت نتيجة الضغوط الخارجية إتلاف ما تمتلكه من قنابل صنعتها بفضل برنامجها، فضلاً عن تدمير المنشآت التي تستخدم لإنتاج أسلحة نووية. ستفعل ذلك في مقابل شطبها من لائحة الإرهاب الأميركية وإخراجها من قائمة دول «محور الشر» وتقديم مساعدات غذائية ووقود لمواطنيها. إنه الانتصار الأول والأخير لإدارة بوش الابن خلال الولاية الثانية والأخيرة للرئيس الأميركي الحالي... لكنه انتصار مهم نظراً إلى أنه سينسحب عاجلاً أم آجلاً على دول أخرى على رأسها إيران.لا بدّ من العودة إلى تخلي ليبيا عن برامجها الهادفة إلى إنتاج أسلحة الدمار الشامل للحديث عن انتصار مماثل للإدارة الأميركية وذلك رغم أنه ليس في الإمكان إجراء مقارنة بين بلدين أحدهما يتضور شعبه جوعاً وآخر يمتلك ثروات نفطية كبيرة. الواقع أن النظام في ليبيا اتخذ قراراً واضحاً بالاستفادة من الثروات، وأخذ علماً بأن عليه التعاطي مع العالم الذي تغيّر مع انتهاء الحرب الباردة. كانت النتيجة تخليه عن أي مشروع لإنتاج أسلحة الدمار الشامل بعدما تبين أن مثل هذه المشاريع تعود بالضرر عليه وعلى الشعب الليبي في المدى الطويل. في الجماهيرية، انتصرت الواقعية على الأحلام والأوهام بأقل مقدار من الإضرار، وهو ما أثار أولئك الذين لا يتمنون الخير لبلد مثل ليبيا.الآن جاء دور كوريا الشمالية لتقتنع بأن لا فائدة من السلاح النووي وأن القنبلة النووية لا تطعم الكوريين الشماليين خبزاً، بمقدار ما أنها تزيد من عمق الهوة بينهم وبين مواطني كوريا الجنوبية التي تحولت إلى نمر اقتصادي من نمور جنوب غرب آسيا. اكتشف النظام في كوريا الشمالية أخيراً أن الاستمرار في المشروع النووي ذي الطابع العسكري سيعود على مواطني البلد بمزيد من البؤس لا أكثر وأن لا مجال لخروج النظام من عزلته من دون التراجع أمام الولايات المتحدة. ربما اكتشفت كوريا الشمالية، على غرار ما اكتشفته الصين قبلها، أن الأنظمة، أياً يكن نوعها، لا يمكن أن تستمر من دون قاعدة اقتصادية متينة. وربما كان أهم ما اكتشفته كوريا الشمالية أنها ليست الصين، وأنه ليس في استطاعتها تطوير اقتصادها والخروج من عزلتها الدولية من دون الرضوخ لشروط أميركية معينة تبدأ بالتخلي عن ترسانتها النووية... وعن اقتصاد يقوم على بيع صواريخ وأنظمة عسكرية إلى بلدان تظن الأنظمة الحاكمة فيها أن لا مستقبل لها في حال تخليها عن الآلة القمعية التي تتحكم بها. أكثر من ذلك، ربما اكتشفت كوريا الشمالية أن الشعارات التي تسعى إلى تصديرها للعالم لن تمنع المواطن العادي من دفع رشوة إلى ضابط الحدود بغية تمكينه من الفرار إلى الصين... ما هذه الجنة التي لا يجد فيها المواطن ما يأكله، كما لا يجد فيه مستقبلاً لأفراد أسرته.قبل الإعلان عن الاستعداد للتخلي عن ترسانتها النووية، سعت كوريا الشمالية إلى ابتزاز الدول القريبة منها إلى أبعد حدود. ليس هناك من يريد أن يدفع ثمناً كبيراً في مقابل الانتهاء من الترسانة النووية لكوريا الشمالية. جميع المعنيين بملفها النووي بدءاً بكوريا الجنوبية وانتهاء بالولايات المتحدة مروراً باليابان يدركون أن لا خيار آخر أمام بيونغ يانغ سوى القبول بما هو مطروح عليها. ليس هناك من يريد استمرار المجاعة في كوريا الشمالية، ولكن ليس هناك في الوقت نفسه المحافظة على نظام فاشل لا علاقة له سوى بالحرب الباردة، بل هو صنيعة تلك المرحلة التي انتهت منذ عقدين تقريباً.عاجلاً أم آجلاً، ستستسلم كوريا الشمالية. لا يزال النظام فيها يقاوم من منطلق أن الصين لا يمكن أن تتخلى عنه. المسألة مسألة وقت ليس إلاّ. النظام نفسه سينتهي في مرحلة لاحقة. إنه مولود غير طبيعي لا يستطيع العيش في عالم تسوده أوضاع طبيعية. سيرحل النظام في كوريا الشمالية غير مأسوف عليه. سيترك يتامى في دمشق وطهران وغيرهما من الأماكن التي لم تأخذ علماً بأن العالم تغيّر وأن الحرب الباردة انتهت مع انهيار جدار برلين في نوفمبر من العام 1989. لم يعد الموضوع موضوع سقوط النظام أو استمراره في كوريا الشمالية. الموضوع هل هناك من يريد أن يتعلّم شيئاً من تلك التجربة الفاشلة؟ خلاصة تلك التجربة أنه ليس في إمكان أي نظام في أي دولة لعب دور إقليمي يفوق حجمه وقدراته من دون قاعدة اقتصادية متينة. فشل الاتحاد السوفياتي الذي كان القوة العظمى الثانية في العالم حتى العام 1990 في المحافظة على دوره لسبب في غاية البساطة عائد إلى هشاشة وضعه الاقتصادي. الأكيد أن تجربة كوريا الشمالية توفر لكل من يعنيه الأمر درساً. فحوى الدرس أن لا مستقبل لأي دولة أو نظام من دون اقتصاد متين. السلاح، بما في ذلك السلاح النووي يبدو مضحكاً من دون ركائز اقتصادية. فهل من يريد أن يتعلم من بين الساعين إلى لعب أدوار إقليمية في هذه المنطقة من العالم أو تلك؟

خيرالله خيرالله

كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن