من لم يُستغفل بالترجمة استُغفل بغيرها…كتاب توماس باين المطبوع في فلادلفيا عام 1776م كان بعنوان «الحس السليم» بعدد صفحات ثماني وأربعين صفحة ولكنه انتشر أكثر من الماء والهواء، والسبب أن مثقفين ذلك الزمان نجحوا في قراءته واستخلاص فكرته في أن الاستقلال مسألة حس سليم ضد الاستعمار والذل... وعام 1848م كتب ماركس وإنكلز البيان الشيوعي في ثلاث وعشرين ورقة، ولكن لأن المثقفين في ذلك الزمان نجحوا في قراءته فقد أصبح البيان شبحا يخيم على أوروبا... وعام 2011 كتب ستيفان هيسيل في ست وعشرين ورقة كتابه الرائع «استنكروا»، ولأن المثقفين نجحوا في قراءته فقد قامت حملة ضد المصرفيين وجنرالات الحرب... ولكن كل هذا في الغرب، أما عند العرب فالوضع مختلف، ففي 2014م كتبت هيلاري كلينتون كتابها «خيارات صعبة» وهو مكون من مئات الصفحات فكيف قرأه بعض مثقفين العرب؟كثير من المثقفين العرب قاموا بالتأليف والدجل حول مذكرات هيلاري كلينتون وزعم كل ببغاء أن هيلاري قالت وقالت وكأنه يعتقد أن الناس لن تقرأ الكتاب فقط لانه بالإنكليزي... وليسمح لي المثقفون العرب أن أدخل معهم في زمرة «المثقفين الورق» وأستغفل القارئ بما أن الكتاب لم يُترجم بعد.فمن حقي أيضا كصعلوك أن أزعم أن هيلاري قالت في مذكراتها:- لم تكن مونيكا غلطة بيل حبيبي الأولى فقد «طحت عليه» مع المربية والمرضعة وعاملة الحديقة.- في أحد اللقاءات مع أحد وزراء الخارجية العرب وعند السلام والتقاء الأيدي بالأيدي شعرت بدفء الصحراء وقررت ألا أعود إلى أميركا ولكن الضغوط الصهيوأميركية كانت أقوى من الحب، فلا شيء أقوى من الحب سوى طائرة الأباتشي.- وفي آخر زيارة لي لمصر أشهرت اسلامي سرا أمام الرئيس مرسي والمرشد العام للإخوان، وصلينا صلاة الجماعة وكنت خايفة أن يدخل أحد أفراد الوفد المرافق لي فينكشف الملعوب.- وفي ما يخص الكويت قالت هيلاري في مذكراتها أننا كأمريكان نعلم بشأن المفاعل النووي الموجود أسفل منطقة شرق، وجهود تخصيب اليورانيوم في منطقة حولي، ولكننا نتجاهل الوضع حاليا حتى لا نفجر ازمة عالمية مع دولة صديقة.- الشباب العربي لم يستطع أن يقف في وجه ثقافة البنطلون «الجينز» فبالتأكيد لن ينجح في أن يقف في وجه قوات «المارينز».- أجمل ما في العلمانيين العرب أن خيالهم ضيق، لذلك يستوردون منا خطابهم التنويري.- يلوموننا العرب لماذا نساعد اليهود الذين يعتقدون أنفسهم «شعب الله المختار»، ولكن يغيب عن العرب أيضا أنهم «شعب الله الثرثار».هذا هو عزيزي القارئ أبرز ما ورد في كتاب ست الستات «أم تشيلسي» هيلاري.ولكن كم أنت مسكين أيها القارئ العربي، فدمُك مفرق بين القبائل، فالحكومة تريدك مواطنا رشيدا مدجنا، والمعارضة تريدك ثائرا مسجونا، وهذا صراع طبيعي، ولكن أن يكون لبعض المثقفين دور في هذا الصراع حيث يريدون من المواطن أن يكون مُستغفلا، هذا والله شيء عُجاب!صحيح أن المثقفين على مر التاريخ لم يكونوا صادقين تماماً، فلقد توفى ديكارت في القصر الملكي السويدي وهو يعطي درساً خصوصيا في الفلسفة لملكة السويد… وكثير من الفلاسفة يعتبرون هيجل غول الفلسفة من وعاظ السلاطين، ولكن هذا يجب ألا يكون مسار المثقف.وفي آخر مرة ناقشت أحد المثقفين حول هذا الموضوع، تعامل معي بطريقة «حتقولهم لي نيلي نيلي... حقولهم لك شريهان شريهان».يقول «أبا النيزك» غفر الله لامه وأسكنها فسيح الجنان:من المفترض في المثقفين العرب أن يمارسوا الشفافية في المعلومات بدلاً من ممارستها في الملابس، ولكن يبدو أن نظريتي صحيحة، فأسوأ ثلاثة اختراعات في التاريخ هي البنوك، والإذاعة المدرسية، والمثقف العربي الذي يعتقد نفسه شمعة تحترق من أجل الآخرين!حكمةالخ... هي علامة يستخدمها المثقف لجعل الآخرين يعتقدون بأنه يعرف أكثر مما يعرف.كاتب كويتيMoh1alatwan@