أمضي الى منطقة سقارة على فترات للتأمل ولمحاولة الاستيعاب، لقد رأيت نصوصا بلا حصر مكتوبة في شتى اللغات، أعني الكتابة باليد، غير أن الكتابة كفعل مضاد للمحو، كأثر انساني يسعى الى استيعاب المرئي المحسوس واللا مدرك في الآني والتالي: لم أشعر هنا كم يدركني هذا الاحساس القوي في مواجهة نصوص الأهرام المنقوشة على الحجر في هرمي «تي» و«أوناس» من الدولة القديمة، قوة خفية تنبعث منها، ربما لأنها حفرت جيدا، ربما لأنها متقنة، ربما لأنها الأعتق، لعلها أقدم متون مقدسة موجودة من فجر البشرية.سقف غرفة الدفن مرصع بنجوم تستدعي السماء الى جوف الأرض، في رقدة الانسان الأخيرة، يجب أن تمثل جميع عناصر الحياة، رموزها، تصحبه ملابسه وأدواته وطعامه وشرابه، أما ما لا يمكن احضاره فليرسم، ليرمز له، السماء، الحدائق، مشاهد الحياة اليومية، تحديد الجهات الأصلية والفرعية، داخل التابوت أيا كانت مادته تبدو النجوم في الغطاء، وملامح الأرض في قاعه الكون مستحضر، مضموم والكتابة مصاحبة، الكتابة تفسير، الكتابة قرب، دائما أمعن النظر في المعنى والمغزى، في الصلة بين كتاب الكون كما يبدو نهارا وليلا وبين كتاب الحجر أو البردي، حيث تتحول الموجودات كافة الى حروف، رموز، النجوم تبدو في الأقاصي كأنها حروف غامضة، مؤدية الى المركز الأعلى، الذي يغشاه ما يغشى.الصلة المحدود واللامحدود، الوعي أن المحسوس جزء من كل أشمل لا يمكن استيعابه، هذا مفهوم أساسي في العقيدة المصرية، وقد انتقل الى الديانات الثلاث،اليهودية، المسيحية ثم الاسلام، عندما اخترعوا الأبجدية، كانوا يختزلون الكون كله في اشارات، في حروف، رباط وثيق بين النجوم والحروف، بين نقطة المياه والحرف، ألا يشبه الحرف المفرد في وحدته نقطة المياه بعلاقتها بالنهر، بالبحر، بالمحيط؟أثبتت الدراسات الحديثة في علوم المصريات أن الأبجدية المصرية هي الأقدم بعد أن عثر علماء على نصوص تسبق أي كتابة في وادي النهرين «دجلة والفرات»، هنا تندلع عندي الأسئلة، أعرف أن الكثير منها سوف يبقى من دون أجوبة، لكنني أعتبر طرح السؤال أول طريق الجواب، قد تكون أدوات المعرفة غائبة الآن، لكنها ربما توجد يوما.ما مقدار المدة التي استغرقها المصريون حتى وصلوا الى صياغة الأبجدية؟ من هم المصريون الذين أمعنوا وفكروا وصاغوا؟أهو فرد؟ أهو حقا تحوت، أول مهندس، مصمم الهرم المدرج، مخترع الكتاب، مبتكر الطب، أول من تفلسف؟ يعرفه اليونانيون بهرمس الحكيم، وأصبح عند العرب النبي ادريس، انه رمز الحكمة، والحكيم في العامية المصرية حتى الآن تعني الفيلسوف، وتعني الطبيب أيضا.أهو تحوت حقا؟ أم أنه فرد رمز اليه: اختزل في شخصية جهود آلاف الموجودين، واذا كانوا أكثر من شخص، كيف جرى الأمر؟ كيف تطور؟ هذا لم نطلع عليه قط.من النصوص الأقدم ذلك الحجر الذي توقفت أمام أصله في باليرمو عاصمة صقلية، يمت الى عصر الملك نعرمر «حوالي 0013 ق.م»، انه مؤسس الدولة المصرية، نعرفه منذ كنا أطفالا باعتباره موحد القطرين، من عصره وصلنا هذا اللوح، عليه صورة الملك، باعتباره ملك مصر، ملك واحد لمصر واحدة، أتأمل الحروف الأعتق، تلك ليست بداية، انما نهاية مرحلة طويلة من التطور من الاكتمال، لقد ابتدعت الحروف منذ زمن سحيق قبل نحت وحفر هذا الحجر.. لابد أن تجارب شتى ومراحل عديدة لا نعرف حتى الآن مداها قد تمت عبر سنين لا يمكن احصاؤها، أما المراحل السابقة على ايجاد الأبجدية على ضفتي النيل فلن ندركها أبدا، لأنها من دون كتابة، الكتابة ذاكرة، ضغط لما يمحى.تكشف الدراسات الحديثة أن ذاكرة المصريين لم تمح، وأن عملية ثقافية بالغة التعقيد، جرت بعد انهيار الحضارة المصرية وتعاقب الغزاة من فرس وآشوريين ويونانيين ورومان وعرب، لقد جرى انقطاع في الظاهر واتصال في العمق، كانت اللغة أحد أهم العناصر التي جرى فيها هذا الانقطاع والاستمرار، خاصة بعد استقرار العرب في مصر، اضطروا في البداية الى الاستعانة بالأقباط لادارة الدولة، لم تبدأ اللغة العربية في الاستقرار الا اعتبارا من القرن الحادي عشر الميلادي «الرابع الهجر».كما يوضح ذلك أحد العلماء المتخصصين في اللغة العربية الدكتور أحمد مختار عمر «اللغة العربية في مصر»، حافظ الشعب المصري على لغته القديمة، مستمدا بها في الحياة اليومية العادية، من أهم المجالات الزراعية، حتى الآن، لايزال الفلاحون المصريون يعتمدون التقويم المصري القديم في الزراعة، وهو ما يعرف الآن في مصر بالتقويم القبطي، في مصر الآن ثلاثة تقاويم.الأول: هو الرسمي، المعتمد منذ القرن التاسع عشر، ويتبع التقويم الميلادي المستقر منذ الامبراطورية الرومانية، بدأها يوليوس قيصر.الثاني: هو الهجري الاسلامي، الذي يبدأ بهجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم من مكة الى المدينة، ويتبع الدورة القمرية.الثالث: هو القبطي، الذي تعتمد عليه الزراعة، مجال النشاط الأول في مصر منذ آلاف السنين، ويحدد به الناس أحوال الطقس، وبالطبع تعتمده الكنيسة القبطية المصرية.متى استقر تقسيم الزمن على أساس اثنى عشر شهرا؟كم استغرقوا من وقت؟أهو تراكم لدى كثيرين عبر أزمنة متوالية، أم أنه فرد اهتدى الى عدد الشهور وحساب الأيام بعد توارث معارف من سبقوه؟يبدو أن تساؤلاتنا أكثر مما يمكن أن نجده من اجابات، لعل الأرض تبوح يوما من خلال ما تختزله من لفافات بردي منسية أو أحجار لم تقرأ بعد.عُرف نظام السنة الشمسية المكون من اثنى عشر شهرا،كل منها متساوٍ مع الآخر، كل شهر قسم الى فترات متساوية، مقدار كل منها عشرة أيام، اضافة الى خمسة أيام كبيسة، عرف المصريون السنة القمرية، استخدموها للأغراض الدينية فقط، يقول عالم المصريات اريك هوربنج أنه جرت محاولة خلال الثورة الفرنسية لاصلاح التقويم بالرجوع الى النظام المصري القديم، أي تقسيم الشهر الى ثلاث فترات متساوية، لكن هذا الاصلاح لم يستمر.قسم المصريون اليوم الى أربع وعشرين ساعة، اثنتي عشرة للنهار ومثلها لليل، لقد أصبح الرقم «اثنى عشر» من الأرقام المقدسة في الشرق، مثل الرقم سبعة والرقم أربعة والرقم ثلاثة.دائما أتوقف في مقبرة رمسيس السادس أمام السقف، هيئة السماء، تحديد أشكال البروج كما نعرفها الآن، في اللوحة المعروفة بالزودياك التي كانت موجودة بمعبد حتحور بدندرة «الآن في متحف اللوفر» يكتمل شكل العالم الدائري، والبروج الاثنى عشر، مرة أخرى أتساءل: عن الفترة التي استغرقها المصريون لتأمل حركة الكون، علاقتها بالزرع، بالنهر ودورته. ما بقي حتى الآن تلك الشهور التي يحمل بعضها أسماء عتيقة لآلهة قديمة، عُبدت يوما، يوم طال لآلاف السنين، ثم بقي منها ظلال، كل شيء الى اندثار، لكن وعي الانسان المحدود بهذا لا يلغي امكانية مقاومته للامحدود.حتى الآن، لايزال الفلاحون المصريون يزرعون الأرض طبقا للتقويم القبطي، ويستخدمون أسماء الشهور، بل يربطون بينها وبين أحوال الطقس، فلنتأمل «أول الشهور» «توت» نسبة الى الحكيم المصري العبقري، الذي ينسب اليه علم الفلك والهندسة والفلسفة، لقد رفعه المصريون الى مرتبة الآلهة، وصار «تحوت» أو «توت» كما يلفظ الآن رمزا للمعرفة، ومن الأمثال التي لاتزال ينطقها الناس «توت... هات الأنتوت»
محليات - ثقافة
الأماكن / الكتابة قرب! «1 من 2»
07:46 م
| جمال الغيطاني |